Saturday, 17/11/2018 | 2:45 UTC+3
صحيفة أصداف

الكرة السودانية .. السقوط فى مبادىء الوطنية

 

–  تتدثر الصحف الرياضية هذه الأيام بعباءة وثياب  الناصحين حينما تفرد معظم المساحات المتاحة للوطنية كشعار ينبغى الا يتم تجاوزه .. كلهم يتحدثون الأن عن المشاكل التى احاطت  باتحاد كرة القدم وقادت الى تعليق النشاط الرياضى للسودان كلهم يتحدث عن مباراة الهلال والفريقى الزيمبابوى التى كان  يتوقف عليها مصير المريخ فى الاستمرار فى البطولة ويخشون ان يتلاعب الهلال بنتيجتها فيقود ذلك لمغادرة المريخ البطولة .. كلهم يتحدث بفقه المصلحين ولكن من الزاوية التى تتفق وألونهم  وعشقهم وانتماءتهم  ..  كتاب المريخ يؤكدون على أن لجنة الفريق عبدالرحمن هى السبب فى قرار تعليق النشاط الرياضى للسودان بسبب تعنتها فى قبول كل المبادرات الوسطية ومن جانب اخر شددت الصحف الحمراء على ضرورة أن لا يلعب الهلال بالنار فى مباراته الاخيرة فى دورى الاندية الابطالالتى كات بفتلرض أن يؤديها ضد الفريق الموزمبيقى  بأن يسعى  لمصلحة الفريق الضيف ويضعون ذلك فى مصاف الخيانة الوطنية .. وفى الجانب الآخر يرى بعض كتاب الهلال أن مجموعة الدكتور معتصم جعفر هى السبب فى هذه الأزمة بعد أن تمسكت بمناصبها ورفضت مخرجات الجمعية العمومية الشرعية التى أطاحت بهم تلك الجمعية التى اكتسبت شرعية مسنودة بدعم من أعلى جهة عدلية فى البلاد .. فهذه المجموعة لم تقبل بالنصف وهى ترى أنها تستحق الكل  ومن بعد لم يقدم أى من الطرفين تنازلا للوطن حتى وقع الفأس على الرأس ..  وفى منحنى آخر وقف بعض كتاب الهلال وبكل اسف داعمين لأى وسيلة  تحقق فوز الفريق الموزمبيقى على الهلال حتى يخرج المريخ من المنافسة والقليل منهم وقف ضد التلاعب بنتيجة المباراة ولكنه نعامل معها بحسابات انها مباراة ودية لا اكثر.. هكذا دائما من المستحيل أن يقف الهلال والمريخ موقفا موحدا على رصيف واحد .. فالذى يتخذ منهما موقفا فى أقصى اليمن يغلق الآخر كل منافذ العقل والحكمة ويذهب نائيا الى أفصى الشمال  فقد تعودنا ان تتخذ المواقف  بالعاطفة المجردة زرقاء  كانت او حمراء  وهذه الرؤى الغارغة فى عوالم التيه والتخبط والعواطف الصماء ابطلت تماما صوت العقل واغلقت عن عمد أبواب الحكمة والتسامح فما ابقى ها التنافر البغيض من صوت للفضيلة ولا ممشى للخير يضمد ويصلح ويقرب ويفتح ابوابا من الامل نتنفس من خلالها هواءا طلقا معافى فكل موقف لطرف من الطرفين وان كان مبرأ من كل قصد يواجه بموقف مضاد من الطرف الآخر .. لتكتسب مثل هذه الحالات  من بعدعدائية الى حد الاحتراب.  

–   من اين اكتسب كتاب وجماهير الهلال المريخ هذه الوطنية الفجائية .. ومن ايقظ نار الفتنة والغدر بين بعض كتاب وجماهير الناديين ..  الا يدرك كتاب الهلال والمريخ انهم السبب الاوحد فى هذا الشرخ الكبير الذى اصاب تماسك جدار البناء الوطنى  واصاب شجرة العائلية الرياضية بامراض الفساد الاخلاقى الذى وصل مرحلة ان تتمنى سقوط علم بلادنا وان كان يدافع عن ارض وكرامة واهل الوطن.

–   الان نبكى على اللبن المسكوب نتشدق بالوطنية التى عاشت بيننا مستباحة مشردة معذبة الاقامة .. الآن يرى الكثير من الهلالاب ان الخنجر لازال يغرس نصله فى داخل احشاء الوطنية  ويتداولون اليوم بوست قديم سبق ان طرحه المريخاب تحت شعار ( مابنطير برانا ) ففى ذلك الوقت  كان مصير تاهل الهلال من المجموعة التى ضمتهما معا  بيد المريخ اذا تعادل او هزم فريق زيسكو الزامبى  وبالطبع اصبح الشعار واقعا وتحقق  فانهزم المريخ وطار الهلال مع نده   وسعد البعض بذلك بل اعتبره بمثابة انجاز وانتصار .. وهكذا أصبح استراتيجية عمل قطبى القمة  وجماهيرها هو القاعدة التى تؤكد أن الكسب الحقيقى لها هو أن يخسر الآخر.

–   هكذا استعاد  الجرح ذاكرته القوية لتنتفض وتصحو وتتهيأ وتتحفز كل احساسات ومشاعر الانتقام والقصاص والثأر من معظم ابناء القبيلة الزرقاء من باب ان النفس بالنفس و العين بالعين والأنف بالأنف والسن بالسن والجروح قصاص ..  ألخ الآية الكريمة وفى ذلك بذلت  جهود وتعبئة  اعلامية ضخمة نحو هذه الغاية التى تنادى بالانتصار لشرف القبيلة .. فو أسفى على ضياع الضمائر عندنا.

–   السؤال المهم هو من اوصلنا لهذا الدرك السحقيق من الانحطاط والتردى والفسوق والخروج على تقاليد المواطنة .. والاجابة لا تتطلب كثير عناء  فادارة كرة القدم السودانية تقف على اسس هشة وعاطفة هوجاء تتحكم فى أفعالها وتصرفاتها وأفدارها فتلغى عمل العقل وتبطل قيم العدل وتنتهك قدسية الحق ..  والبناء العضوى فى الوسط  الرياضى فى هذا البلد غير متماسك وتتنازعه الاهواء وتقذف به رياح الكراهية والحقد الى عوالم الشتات والضياع .. ولنأخذ مثلا أن الهلال يتهم الاتحاد العام السلطة التى ترعى اندية السودان بالتدخل والتأثير على  نتيجة مبأراته الأخيرة مع المريخ عبر التحكيم .. فان صح الأمر فهذه كارثة تؤكد على أن كل شىء فى كرة القدم يدار  بالانتماءات والشهوات المجردة و بالعواطف والعواصف التى تقتلع جذورالعدالة والمنافسة الحرة وتغرس هذا النبت الشيطانى الذى يعمق من جراحات الوطن و تنافر نسيجه الاجتماعى .. ادارات  الاتحاد والاندية  انجرفت فى سيل من التناثضات والاتجاهات السالبة التى يتبناها الاعلام ويحقق لها بيئة حاضتة تعزز فرص تفشيها وممارستها بين الجماهير بالحقد والكراهية العمياء.

–   الصحافة الرياضية تلونت بالوان الهلال والمريخ وتفننت فى بث روح الحقد والكراهية والضغائن والاحقاد من خلال المقالات التى تتصل بهدف واحد هو اقصاء واذلال وتحقير الأخر حتى أن المسألة أصبحت فى نهاية الأمر مسألة كرامة شخصية لكل مشجع أزرق أو أحمر .. فهو مصنف من قبل الآخر بالدلقون والجلفوط والمدعوم الوصيف والزنطور و.. و.. و.. وهكذا تأججت روح القبيلة والُثأربين القمة السودانية والأفضل أن نطلق كلمة ( الغمة ) لأن هذه القمة قد انحدرت بعواطفنا ومشاعرنا الى الدرك الأسفل من الجب الآثن  النتن القبيح.

–   المستغرب حقا أن الحكومة تتفرج على هذه الترهات وهذا السقوط المدوى فى مجال لايقبل التنازع حوله .. ماالفرق بين أن تحمل السلاح لاسقاط مدينة فى وطنك أو أن تحمل معاويل الهدم لتسقط فريقا يلعب لوطنك .. فالأمر سيان وان تركت الحكومة الحبل على القارب هكذا فأبشروا بحرب قبائل القمة وهى حرب أكثر عنفا وضراوة وتأثيرا .. فقد يقتتل الأخوة فى المعارك الحربية ويعودوا لرشدهم أخوانا متعانقين متحابين متسامحين  شركاء متعاونين .. لكن المعارك التى تدور فى ميادين كرة القدم  تفتك بالاحساسات والمشاعر  والقلوب وتصيبها بالكراهية والبغضاء  ويصبح من العسير جدا احتوائها .. لأنها وباخنصار  تتجدد وباستمرار بتجدد فعاليات هذا النشاط  فبعد كل مباراة لأحد قطبى القمة يولد طفل مشوه ذميم التفاسيم قبيج الصفات .. وبعد كل مباراة للقمة نذر حربا شعواء وان لم يكن الطرف الاخر مشاركا فيها ..  وهكذا تستمر هذه الحروب الخطيرة حتى تفتك بما تبقى فى اعماقنا من مشاعر طيبة نحو الوطن .

–   تجميد أو تعليق النشاط الرياضى للسودان لايمكن أن يكون أسوأ حالا من ما يحدث لهذا الوطن من سقوط على مستوى شئون ادارة الكرة بكل مكوناتها وليس هو بأسوأ من انتكاسات  وتردى مستوى اداء فرقنا وانديتنا القومية وسلوك اعلامنا الرياضى وجماهير الكرة  الذى وصل حد الاستهتار بهوية البلاد .. فليكن التجميد  ان اصبح واقعا وسانحة طيبة تقف فيها الدولة  والمؤسسات المعنية لتؤسس لعوالم جديدة من الأمل الفسيح والاشراق الذى يهزم هذا الظلام الحالك المهلك الهالك. .. الا انى قد بلغت.          





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.