Monday, 17/12/2018 | 9:41 UTC+3
صحيفة أصداف

اليوم إنتهت (قصتنا) الطائر المرتحل يعبر بحر الدنيا إلى مرفئه الأخير

كتب : هاشم بابكر

نعت أنباء العاصمة الخرطوم إلى الشعب السودانى واحداً من أنبل أبنائه الذين سكبوا وجدان الروح عبر الأغنية الحديثة وكان علماً وهرماً شعرياً بارزاً تغنت بكلماته طيور الروابى  وظلت مفرداته موقّعة على كل التذكارات ..ألا وهو الشاعر الكبير حسين بازرعة (1928-2017م) رحمه الله وأحسن اليه بقدر ما أسعد هذا الشعب الطيب المرهف .

حسين بازرعه أيام الصبا…المصدر ألبوم الاسره

وتقول سيرته الذاتية بأنه ولد وترعرع فى مدينة بورتسودان ودرس المرحلة الوسطى بالمدرسة الأهلية الوسطى إلى أن وجد فرصة الإلتحاق بمدرسة وادى سيدنا الثانوية أمدرمان ،وعن تلك الفترة يقول الدكتور الطيب ميرغنى شكاك : الشاعر حسين بازرعة منذ أن كان زميلاً لنا في مدرسة الأحفاد الثانوية قبل انتقاله إلى مدرسة وادي سيدنا الثانوية كان أديباً ويعشق الشعر ولا زلت أذكر تعليق أستاذنا الكبير احمد عبد الله المغربي الذي كان يدرس اللغة العربية عندما قال إن هذا الشاب وهو يؤشر إلى زميلنا حسين بازرعة سيكون له شأن كبير في الشعر والأدب ، ولقد صدق قول أستاذنا المغربي لأن بازرعة وهو في مرحلة الثانوي في وادي سيدنا ظهر اسمه في الشعر الغنائي مع الفنان الكبير عثمان حسين ، وصار بعد ذلك علماً في رأسه نار في عالم الشعر الغنائي ويشار إليه بالبنان كلما جاء اسمه في المناسبات الفنية والشعرية والثقافية، من درره في الثقافة والشعر ما جاء في قصيدة (حبي) إذ قال وهو يقدمها:

أسطورة الحياة منذ الأزل.. منذ أن فجر الانسان أول نغم واسترفأ اول ضرم وأبدع أول حرف منذ أن كان الرمز وسيلة التعبير وكانت العبارة وشيجة لرمز ذلك هو الحب عصب الحياة ودافعها إلى النماء والتطور والخلق هو الحب سنة الطبيعة وباعثها إلى الإستقرار والسكينة.. هو الحب ظل الخالق في أرضه وروحه في كونه وتعاليمه بين الناس ولقد عشت كما عاش غير هذه التجربه عشتها بكل عرق ينبض في قلبي وكل خاطرة تدور بعقلي ، وكل عاطفة تصرخ في أعماقي لا أملك منها غير حفنة من ثقافة لم تنضج وحزمة من غرور لا تسمن وضمة من طموح لا تفيد.

ويستمر في قصته ليقول: (كان فضل المبادرة فيها إلى الطرف الآخر الذي لاحقني بإعجابه في رسائله وبشكواه عن مشاكله وبأشواقه في هداياه فقدر الله أن أقع في حبائله، ولقد أعجبني فيه فهمه للحب على وجهه الآخر ذلك الوجه الذي يعكس جمال بلادي في حسنه وفتون الطبيعة في ذوقه وسمرة النيل في لونه وإنطلاقة الأمل في محياه.
ومن ذلك المنطلق دخلت التجربة وأنا أكثر قدرة على فهم الحياة وأعمق ثقافة لإدراك الواقع وأصلب طاقة على احتمال العبء كل ذلك والخلصاء من أصحابي مشفقون والغرباء عني ساخرون مني ولكنني لم ألق بالا لاشفاق الخلصاء ولم أعبأ بسخرية الغرباء وكان ميلاد أغنية (من أجل حبي) ذلك الحب الذي ما زلت أعيشه وأنا أوفر قدرة على الخلق والإبداع وأعرض آمالاً في الحياة والعيش وأكثر ثقة في الناس والكون) وجاءت أغنية حبي التي أبدع فناننا الكبير صاحب النغم والموسيقى والمعايشة مع القصة الأستاذ عثمان حسين في لحن أعطي الأغنية حقها وحقق لشاعرها مشاعره الدفاقة في قصة حبه التي قال فيها:
عشقتك وقالوا لي عشقك حرام
يا مجدد نور عيوني يا مبدد نار شجوني
ليتهم عرفوا المحبة وعرفوا أسرار الغرام
عشقتك وقالوا ليه تعشق وأيامك ربيع
تقضي ليلاتك مسهد وابتساماتك دموع
وزاد حياتك يبقى غيره وتطفئ من عمرك شموع
وتنسى عشاق أغنياتك وتمسي أفراحك حطام
لم يكن حبي متاعاً لا ولا كان التياعا
أو لقاءً أو وداعاً
حبي نابع من بلادي من جمالها وانطلاقها
أودعت حسن حبيبي من صباها كل باقة
من صفاء الطيبة والكلمة الحبيبة والطلاقة
كل رعشة حرف فيها ترجمت سر العلاقة
يا عوازل كيف تكون الدنيا لو عـزّ الغرام
وهكذا حكى صديقنا الشاعر المبدع حسين بازرعة قصة حبه وهكذا تغنى بها فناننا المبدع عثمان حسين فصارت إحدى درر الغناء السوداني.
ومن حسن الصدف أن تعرف بازرعة بالشاعر قرشى محمد حسن صاحب (الفراش الحائر) وهو الذى عرّفه بالفنان عثمان حسين ، وكانت إنطلاقة رحلة فنية استمرت طويلاً وأثمرت أغنيات لا تمحوها الأيام .
وكان حسين في كفالة اخيه الأكبر على محمد سعيد بازرعة  مع أخت له توأم اسمها أم الحسن.
تلك كانت نشأته وطفولته وصباه حيث بدأت تتفتق موهبة الشعر عنده ..
هاجر حسين ورحل الى السعودية وهو في الثانية والعشرين من عمره .. وهناك ولأنه غريب ديار فقد كان ميالاً للوحدة والصمت .. واصدقاؤه .. قليلون لايميل لكثرة العلاقات والانفتاح .. ولا يغادر المنزل الا لضرورة ..ومن اقرب اصدقائه هناك عبد الله الفيصل الذي كان يلح على زيارته .
جميع ماكتب من كلمات واشعار عطرت الوجدان وسحرت الناس ماهي إلا نتاج تجربة صادقة عميقة عاشها بقوة فياول سنين عمره حيث تقدم لخطبة فتاة جميلة من الاسر المعروفة في مدينة بورتسودان .. لكن  شقيقه الأكبر رفض وتزوجت الفتاة التي كان يعشقها بصدق وطهر  وبعد هذا مباشرة حمل حقائبه وغادر البلاد .
كان يحب السفر كثيرا ابان تواجده بالسعودية حيث كان يطير لفرنسا واليونان ومصر ويجيد اللغة الانجليزية بطلاقة ومن اصدقائه الامير عبد الله الفيصل والبروفسور احمد محمد علي اسماعيل استاذه
ويعمل حالياً بالاحفاد ومحمد عبد الرحمن سوار الذهب والشاعر المعروف السر دوليب .

كما كان رياضياً من الطراز الاول فقد لعب بفريق حي العرب بورتسودان وتدرج في المناصب الادارية بالنادي حتى وصل لمنصب سكرتير النادي فى عام 1957م وهو صاحب مقترح خرطة النادى الحالية فى خطابه للمقاول الطيب ربيع .ولــه عــدة انجــازات في الرياضـة وتربطــه علاقـة طيبة بالرياضيين ببورتسودان وكان يحب النظام والتركيز وقارئ جيد لكل انواع الكتب الثقافية والأدبية .

إتخذ  الشاعر قراره بالرحيل للسعودية وكان ذلك عام 1965م حيث كتبت جريدة الصحافة لصاحبها عبد الرحمن مختار بأن الشاعر حسين بازرعة جاءها إلى مكاتبها بنص أغنيتة (قصتنا) ونشرته الصحيفة ولحنه عثمان حسين بلحن باذخ خالد خلود الشعر والقصيد .. وغادر  بازرعة ليستقر بجدة ولكنه شعر بالغربة المؤلمة وهام حباً بوطنه وتحمل الالام ومكث منزوياً في شقته كل تلك السنين لا يتركها الا نادراً  للجلوس الى صديقه الفيصل أو لممارسة عمله فى شركة النقل البحرى  التابعة لمكتب الأمير ..
 وبما أن لكل حكاية نهاية فقد رحل عن الدنيا صديقه الأثير الأمير عبد الله الفيصل ، وبعدها بقليل جاء الأمر باخلاء الشقة فوراً بامر ازالة للعمارة ، فحزن الشاعر حزناً شديداً على فراق شقته التي تعود عليها واحبها وكأنما الحياة تعانده في حبه للاشياء حبه الاول الذي اندثر والشقة التي تعود عليها وأخيراً موت
صديقه العزيز الامير عبد الله الفيصل وكانت الاخيرة القشة التي قصمت ظهر البعير ولم تتحمل روح شاعرنا الرقيقة كل هذه المحن والمصائب فقرر العودة لارض الوطن وفي تلك الفترة عرضت عليه التابعية
السعودية ولكنه رفض وعن أسباب رفضه قال لن تكون لي هوية ثانية  ابداً فايمانه بسودانيته ساهم بشكل كبير في تشكيل وجدانه الشعري .وهو القائل ( أفديك بالروح يا موطنى..فأنت دمى ..كل ما أقتنى ..بلادى أنا)

                  بازرعة يتحدث فى حفل الجالية السودانية بجدة

كان لبازرعة (كنبة) شهيرة إسمها كنبة بازرعة  علي ساحل  البحرالأحمر ببورتسودان يجلس عليها
بالساعات الطوال   يتأمل ويكتب الشعر وكأنما الإلهام الشعري كان ثابتاً في هذا
المكان . وعقب سفره  بزمن ليس بالقصير تغير المكان وتغيرت كل الاشياء
وبعد عودته ورغم مرور السنين الطوال ظلت الكنبة  في مكانها  تحكى التاريخ بعد أن شهدت ميلاد
(الوكرالمهجور ) و(عاهدتني) و” لا تسلني ” فيرسلها  شاعرنا (قبلة سكرى) عرفاناً ووفاءً الي من كان
يجلس بجواره هو والنجم والمساء ..ويوم عاد اليه مستسلماً لسطوة العاطفة وهو  يقول (لا
وحبك ..لن تكون أبداً نهاية(  ويؤكد : والحقيقة املي ابقى جنبك.. اصلي بعدك ماهويت ولا حتى قبلك
كان للعروبة نصيباً كبيراً في اشعاره حيث اشتهر بحبه للعروبة ويظهر
ذلك في دعوته الى مساندة فلسطين وتحريرها ونادى بالقومية والوحدة العربية التى عبرها يتحقق الإنتماء ويكتسب معنى الكفاح .
ويظهر ذلك واضحاً في (رسالة ذو القربي)  بمناسبة انتفاضة الاراضي المحتلة (عرس الاربعين)  والتي كتبها في 25/7/1978 م .
وويقول الأستاذ عادل سيد أحمد فى مقال بجريدة الوطن : بدأت علاقته بالفنان الراحل عثمان حسين  كما ذكرنا في اواسط الخمسينات وقد امتدت  صداقتهما لسنوات طويلة وكان  عثمان يكبره بسنة واحدة فقط  ، وجاءت شهرة بازرعة وإنتشاره ووصوله الى القراء عبر هذا الفنان العملاق ، ووقتها لم يعرفه الجمهور من خلال الدواوين المطبوعة او اية وسيلة اخرى بل من خلال ألحان عثمان حسين  لأغنياته .
وكانت القبلة السكرى هي اولى الاغنيات التى غناها عثمان حسين  للشاعر بازرعة نظمها عندما كان طالبا في ثانوية وادي سيدنا ، وفي تلك الفترة لم  تكن هنالك لجنة لاجازة النصوص الشعرية بل كانت مجلة ( هنا ام درمان ) التي كان يرأس تحريرها الاذاعي الراحل المبارك ابراهيم تقوم بهذا بالدور ، فما ينشر فيها من شعر كان يتهافت عليه الفنانون ، وظهر في تلك الحقبة الشعراء الرواد للأغنية الحديثة التى اعقبت فترة حقيبة الفن ابتداءاً من عام 1939م – صلاح احمد محمد صالح ، اسماعيل حسن ،حسين بازرعة ، قرشي محمد حسن ، حسين عثمان منصور وغيرهم ،وحدث أن فازت  قصيدة القبلة السكرى في مسابقة بهذه المجلة وغناها الراحل عثمان حسين .. وحول الرومانسية الطاغية في كلماته كاغنيات (شجن  ، القبلة السكرى)  قالت الاسرة انه كان كثير الاطلاع في الثقافة العامة محباً للشعر والرومانسيات  .

              عثمان حسين وحسين بازرعة

كما كانت تجمعه صلة قوية بالشاعر الراحل محمد المهدي المجذوب حيث كانا يعملان سوياً في مصلحة الاشغال ببورتسودان ، وكان يقرأ كثيرا ًللراحل البروفيسور عبد الله الطيب ويقرأ اشعار الراحلين مبارك المغربي واسماعيل حسن ..
 وعن صلته بشعراء الشرق كان لبازرعة علاقة طيبة بالراحل ابو آمنة حامد وسبق ان زاره بالسعودية ، وكان يستقبل أصدقاءه بمكتبه بشركة مناجم الذهب التابعة لأسرته   .كما جمعته المواطنة بمدينة الثغر بالفنان الشامل إدريس الأمير ، ومن خلال جلسة بمنزل إدريس كتب بازرعة ولحّن قصيدة (حليلها الفُرقة من بكرة) واستأذنه فى نفس اللحظة لاعب الشبيبة بورتسودان ( شيبة ونقرة ) فى أن يهدى الأغنية لصديقه الفنان عبد العزيز محمد داؤود ووافق بازرعة ، وكانت تلك الأغنية الطروبة للرائع أبو داؤود والذى عاد بازرعة وقدم له أغنيته  الكبيرة صبابة ( عجباً يقول الناس أنك هاجرى) .

وحول آخر قصائده آخر قصيدة كتبها كانت باسم ( مرثية الرحيل)  عندما رحل آسفاً من شقته الاولى بجدة –والتى كانت مطلة على ساحل البحر الأحمر الذى يفصله عن معشوقته بورتسودان –  الى شقة أخرى جديدة حيث يقول مطلعها :
غداً اقول وداعاً شقة العمر
على صدى من قرار غيرمنتظر
اتى النذير بلا وعيد ليخبرني
رحيلك ما اقساه من خبر
حقاً اودع داراحبه الأثر
تموج بالروح والايناس والذكر
قضيت شرخ شبابي بين اضلعها
وبين اركانها اودعت مدخري.

نعم ، غاب حسين بازرعة عن بورتسودان لمدة أربعين عاماً ، ثم قرر العودة اليها بعد رحيل صديقه الشاعر الأمير عبد الله الفيصل ،فعبر البحر للمرة الأخيرة فى عام 2006م ، ولكنه شعر بكآبة عظيمة ،فقد تفرّق زملاء وأصدقاء الصبا مات من مات وهاجر من هاجر وخلت منهم الطرقات ، وتغيرت معالم المدينة التى كان يألفها وحلت المبانى الأسمنتية مكان بيوت الخشب القديمة .. فحدث نفسه قائلاً : لو بقيت هنا فسأموت كمداً وأنوء ذكريات ..فقرر السفر للخرطوم ليقضى فيها ما تبقى له من أيام حتى لحق بالأمس القريب برفيق دربه الأخضر الفنان الخالد عثمان حسين .

حسين بازرعة والفنان الراحل ادريس الأمير

 





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.