Saturday, 17/11/2018 | 2:46 UTC+3
صحيفة أصداف

بطاقة اعتذار للأمير

عبدالروؤف بابكر المهدى

قبل ثلاث أيام من رحيله .. التقيته بعد طول غياب , كان فى مرقده قبل الأخير فى المشفى وقد بترت ساقيه .. قابلنى بابتسامة عريضة وعناق حار .. تحدثنا فى عجالة حول كثير من الأمور .. فى الأدب  والفنون .. فى الصوفية وفى خلافات الدولة الأموية .. قال شهادته فى الفرعون وردى .. تحدث عن المرض اللعين حين وصلت معدلات السكر فى دمه الى 700 .. وحين اندهش الطبيب المداوى كيف أن الرجل بكامل العنفوان قال لطبيبه ( أنا قوى بفضل كبير الأطباء ) .. اندهش الطبيب ثم عاد فأستدرك كلمات العاشق العابد الصوفى الموحد .. لم ينسى حين ودعنا أن يطلب منا أن نبلغ تحياته لكل الأصدقاء .. كل المعارف وختم بقوله اننى فى روح  معنوية ..عالية ولا أخشى الا ذنوبى .. وكانت الثلاثاء 14/4/2014 موعد رحيل فارس الشرق العملاق ادريس الأمير ..  لقد كنت أيها الأمير

علو فى الحياة وفى الممات          بحق أنت أحدى المعــجزات

كأن الناس حولك حين قاموا         وفود نداك .. أيــام الصـلات

كـأنـك واقـف فـيهم خـطـيبا          وكــلهـم قــيــام لــلـــصـــلاة

عندما نفتح ملف الابداع فى شرق السودان يطل الأستاذ ادريس الأمير وجها جميلا مشرقا معبرا ومتميزا .. فلقد كان الرجل واحدا من أهم محصولات الشرق الثقافية .. التزم بالأغنية المضيئة المشرقة وقدم للشرق وانسان الشرق فكرا ترتوى من رحيقه  كل أرض السودان وحتى يرث الله الأرض .. كنت كل ما أجلس الى الأستاذ ادريس أحس أننى أمام كتاب مفتوح للتأريخ .. للفن .. للأدب وللعشق الأبدى .. وأعترف أننى ماكنت قادرا على مقاومة سحر هذا الفنان الرائع .. وكنت على قناعة أن الأمير كان مشروعا ضخما للمعرفة والتوثيق لم يستثمر كما يجب فرحل بحصيلة وافرة من التجارب المتنوعة اختزنها فى ذاكرة قوية .. متقدة وحاضرة .

ادريس .. أيها الفارس الأمير القادم من بحار الحب وسهول العشق وسواحل الأشواق .. كنت تحملنا بين الأشرعة والموانئ أغنية للحلم اللامحدود  فى سواكن .. فى بحرى فى كرن .. فى كل المساكن .. كل المآذن وكل البيوت .. فى كل شباك للهوى .. فى كل مدخل للحب والجمال على امتداد الوطن الشاسع باسطا بين كل الناس فنا متنوع المشارب بتنوع ذهنية وألسنة كل الناس.

ادريس .. ياهذا الرجل الذى علمنا فك طلاسم وطقوس العشق المتوهج فى الدواخل .. للوطن الحبيبة وللحبيبة الوطن .., ياهذا الطوفان الرائع الممتد بمسافات الخير والأمل .. ياهذا الحنين الذى لفنا بعباءة الابداع فأحتمينا تحت ستره وتمتعنا بدفء الدهشة عبر لحظات الآم المخاض وأفراح الميلاد.

ادريس .. ياصديق الغفلة .. أعلم أن الزمن كان قد أخذ منك بعض الصحة والعافية لكنه لم يقوى على أن يسرق الابداع من قلبك الندى فكان مواويلا للصبر وامتدادا للأسفار وكلمات لنداء الضمير المستيقظ وأغنيات مشتعلة بالحب والأمل لأن الفن لا يموت .

ادريس .. ياشعلة الانتباه .. أحسب أنك ولدت وكان تاريخك السودان .. واسمك الشرق وبطاقتك الحب .. وكانت نجمة أسفارك مدينتك العشق بورتسودان ..  أحزن أن تمر الأيام وذكريات الرحيل ولا أحد ينتبه .. لاأحد يسمع .. لا أحد يتذكر فأعذرنا ان نسينا أو تأخرنا عن موعدك الأخضر وأعذرنا حتى ان تنكرنا فلا يضيرك شئ أن تعطى دون أن تأخذ فأنت خالذ فى كل البيوت.





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.