Monday, 17/12/2018 | 9:20 UTC+3
صحيفة أصداف

تنامي الاهتمام : هل تكون صناعة النقل البحري محور إستراتيجية الدولة

عبد المنعم جعفر

صناعة النقل البحري .. صناعة كثيفة رأس المال وتتطلب جهد متضاعف لمواكبتها والتفاعل مع معطياتها خاصة أنها تعتمد في تطورها علي أنفاذ المتطلبات الدولية والاتفاق مع الأسرة الدولية لتطبيق كنه قوانينها وبرامجها ..لأنها تستدعي التكامل والتناسق وتوحيد الجهود.. إذ أن طبيعة وخصائص النشاط تستلزم ذلك من حيث التفاعلية والتصالح وترسم المصلحة العامة.

وصناعة النقل البحري في جوهرها تستدعي تفكير متقدم وأدراك واعي لتميز هذا النشاط الذي يمور في دواخله بحدة التنافس وتسارع وتيرة التحديث فيه وعدم التوافق مع هذه الثوابت .. يعضد نقاط الضعف والانزواء والإقصاء ومن ثم التدحرج في رمال التخلف المتحركة وتستوجب هذه القناعة المتسارعة الخطي تعزيز القدرات بأفق واسع وعدم الجلوس قرفصاء وتلقي فقط المعايير .. إذ أن مفاصل آلياتها تحام المسايرة وفك طلاسمها والغوص في أعماقها.. خاصة أنها صناعة يمكن أن تغذي ميزان مدفوعات الدولة وتحدث حراك في شريان الاقتصاد من خلال آمدائها ونشاط دوائرها وبعدها اللوجستي والتحويلي المباشر وغير المباشر .

وصناعة النقل البحري واحدة من الصناعات التي تؤدي إلي ترسيخ مفهوم الأمم المتحدة في التعايش والسلم الدولي والنهوض بالأمم وتقوي من عناصر التقارب والرغبة المشتركة في الحياة الكريمة وتمكن لمساعدة الدول بعضها لبعض خاصة أن نصوص أغلب الاتفاقيات تلزم العمل الجماعي لتحقيق مقاصده .

والسودان ظل عضواً فاعلاً في المنظمات التي تلي مقتضيات صناعة النقل البحري.. ويعتبر من أقدم الدول العربية والأفريقية التي نالت عضوية منظمات صناعة النقل البحري .. وحقق لنفسه تميزاً في التعاطي مع أدوات صناعة النقل البحري ومهد لسمعة طيبة في سنوات خلت .. وظلت مقومات صناعة النقل البحري في السودان تؤدي مهامها باقتدار وتطلع لتمكين وتوطين هذه الصناعة العامة .. التي لا يقتصر بعدها ومردودها في عائدها الاقتصادي فقط.. بل تجعل الدولة عضواً فاعلاً في المنظومة الدولية وتؤدي لخلق انطباع إيجابي وتمكنه من تنشق الهواء النقي في ظل الاستقطاب والكيل بمعيارين وتأرجح ميزان القوي .

ورغم تقادم تعامل السودان مع صناعة النقل البحري وما حقق فيها من كسب متميز خلال سنوات ماضيه ووجود مؤسسات ذات دور حكومي وقطاع خاص .. إلا أن الحضور الدائم الفاعل في دهاليز هذه الاتفاقيات والبرتوكولات ظل ضعيفاً.. رغم أن التجاوب مع هذه الاتفاقيات كان يمكن أن يفتح مسارات مضيئة في تحسن سمعة السودان خاصة أنه أحوج لذلك في ظل حصار جائر وحملات تشكيك مستمرة.. ومثال لذلك فأن أيفاء هيئة الموانئ البحرية لمتطلبات المدونة الدولية لأمن السفن والمرافق المينائية (ISPC) كود .. كان عاملاً في استقطاب إشادة من خفر السواحل الأميركية بأن الموانئ البحرية السودانية آمنة .. وكان باعث لتعاون ومساعدات في مجال التدريب.

ونذكر أن سفن الخطوط البحرية السودانية في عهدها الزاهر كان تعزف لها موسيقي القِـرَب في الموانئ العالمية أحتفاءاً واحتراما .. وكان طائر أبو منجل يمارس الترحاب بخيلاء سعيداً بلونه الأخضر الزاهي والكفاءات المتميزة التي تبحر به وسط المحيطات والبحار.

استرعتني هذه الأفكار وأنا أقرأ بسعادة غامرة خبر يتضمن فحواه أن اجتماع قطاع التنمية الاقتصادية بمجلس الوزراء الاتحادي قد أجاز في اجتماعه الذي أنعقد مؤخراً – خمس اتفاقيات خاصة بالنقل البحري – وهي الاتفاقية الدولية بشأن المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث بوقود السفن والاتفاقية الدولية المتعلقة بالتدخل في أعالي البحار في حالة وقوع حوادث مسببة للتلوث الزيتي والاتفاقية الدولية للإنقاذ والاتفاقية الدولية بشأن الصندوق الدولي للتعويض عن أضرار التلوث الزيتي واتفاقية نيروبي الدولية لإزالة الحطام .

وامتدت سعادتي  بقيام مؤتمر حماية البيئة البحرية الأول وتصديق المجلس الوطني في دورة انعقاده التاسعة بالانضمام للاتفاقية الدولية لمنع التلوث البحري من السفن لعام (1973م) وفق تعديلها بالبرتوكول (1978م) ( ماربول 73/87) لسنة 2014م والتي اعتمدت في لندن في 2/11/1972م.

وتصديق المجلس الوطني علي الانضمام للاتفاقية الدولية للاستعداد والتصدي والتعاون في ميدان التلوث الزيتي لعا(1990م) لسنة (2014م).

والتصديق علي هذه الاتفاقيات المهمة يعني أن السودان قد خطي خطوة متقدمة في فهم صناعة النقل البحري وضرورة تلبية متطلباتها والإيفاء بمستلزماتها والإسراع بتنفيذ بنودها وتكييف الأوضاع لذلك – كما أن التصديق عليها يعني أن السودان أصبح متوافقاً مع القوانين والاتفاقيات الدولية التي تحقق الجماعية وتمنح الدولة العضو القبول وتقديم المساعدات الفنية .. والتصديق علي الاتفاقيات يعني وجود السودان في المنظمات العالمية وامتثاله لكل البنود التي تعطي قيمة لكافة لوجستيات خدمات النقل البحري .. والتصديق علي الاتفاقيات يعني الانتماء للمسؤولية الدولية في مجابهة آي مخاطر ويعني المشاركة والتفاعل والاستفادة من الإمكانيات والمنح والدعم اللوجستي وبناء القدرات .. والتصديق علي الاتفاقيات يعني بحث مكامن ( جودة منظومة لوجستيات الخدمات الفنية للنقل البحري) من حيث سرعة ودقة الأداء وتكلفة وعالمية الأداء .. والتصديق يعني أبعاد العزلة عن السودان وصد الهجمات السالبة عليه ..والتصديق علي الاتفاقيات يعني التصالح مع الوضع التنافسي والتعاطي مع تأثير آليات للتنافس والسوق البحري والتغيرات الاقتصادية.. والتصديق علي الاتفاقيات .. يعني مزيد من اهتمام السودان بصناعة النقل البحري ومنظومة الخدمات التي تلي أنشطة النقل البحري .. ويعني أن السودان يتجه لتطبيق معايير التدقيق الإجباري للبحرية العالمية حتى يكون جزءاً من المنظومة العالمية -.

وتبقي الإشادة في أن التصديق علي هذه الاتفاقيات الدولية جاء بعد جهد متصل تضافرت فيه آليات الدعم من قبل كافة الجهات وخاصة الإدارة الفنية للرقابة البحرية بهيئة الموانئ البحرية والتي قامت بشرح أهمية الاتفاقيات لوزارة النقل ولكافة الجهات المعنية حتي كللت المساعي بالتصديق ككسب متميز للسودان وكبسط لثقافة صناعة النقل البحري في السودان .

وحقيقة أن التصديق علي هذه الاتفاقيات البحرية الهامة العالمية سيكون فرصة كبيرة للسودان لتقديم نفسه كعضو فاعل متعاون وملتزم بالاشتراطات والمتطلبات والمعايير .. مما سيمهد لدعم صناعة النقل البحري ومن ثم بلورة مزايا تفضيلية تعطي السودان موقعاً جاذباً لاستقطاب الدعم الفني وبناء القدرات والتصالح مع المجتمع الدولي .

وهنا لا بد من رفع قرنا الاستشعار لأهمية التصديق علي الاتفاقيات البحرية التي تبلغ أكثر من (53) اتفاقية – ولا بد من وجود وزير دولة للنقل البحري يكون من الخبراء في المجال البحري ولا بد من وجود إدارة بوزارة النقل معنية بصناعة النقل البحري ولا بد من وجود لجنة لصناعة النقل البحري بالمجلس الوطني ومجلس الولايات ولا بد من قيام لجنة لصناعة النقل البحري في مجلس ولاية البحر الأحمر التشريعي ولا بد لجامعة البحر الأحمر وهي تقدم التميز في التفاعل مع المبادرات المجتمعية أن تسعي لنشر ثقافة ومفاهيم صناعة النقل البحري بتبني قيام مؤتمر يعني بصناعة النقل البحري في السودان يستهدف بحث مكامن الفرص ودعم إمكانيات القرار البحري ولا بد من قيام بنك لصناعة النقل البحري لتمويل كافة مخرجات هذه الصناعة الهامة – والتي لا بد أن يسعي السودان للاستفادة من خيراتها .

وهناك خبر أسعد الجميع وبفضل جهود هيئة الموانئ البحرية تمثل في دخول السودان للقائمة البيضاء في منظومة المنظمة البحرية العالمية مما يعتبر كسب طيب للسودان .

وليكن التصديق علي هذه الاتفاقيات الهامة .. دعوة لمزيد من الدعم اللوجستي والمعنوي للتصاعد بصناعة النقل البحري في السودان .

 





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.