Wednesday, 16/1/2019 | 11:03 UTC+3
صحيفة أصداف

حادث أوبـو .. جرح غائر فى خاصرة السكة حديـد

إعداد : هاشم بابكر

مقدمة :

فى عز مجد هيئة السكة حديد ، ايام كان الناس يضبطون الساعة على موعد قيام ووصول قطاراتها ، وأيام كانت الخدمة المدنية فى السودان تضارع مثيلتها فى بريطانيا إنضباطاً وكفاءة ومسئولية ، أبت الأقدار الاّ أن تقول كلمتها فى حق قطارين تعيسى الحظ تلاقيا على غير ميعاد فى محطة منعزلة على امتداد القضبان الحديدية  فى سلسلة جبال بحرنا الاحمر، ووسط السكون وهدوء المكان ،  ليرسما بالدم والدموع ملامح ووقائع حادثة شهيرة فى منتصف ستينيات القرن الماضى هزّت البلاد من أقصاها إلى اقصاها وجرت تسميتها بـ ( حادث أوبو ) .. فكيف كان ذلك وماهى تفاصيل الحادث المؤلم  ؟

                         محطة أوبو التى وقع الحادث بقربها 1965م

حادث اوبو
تقع محطة أوبو بين سلسلة جبال البحر الاحمر على ارتفاع الف ومائة قدم فوق سطح البحروتبعد مسافة سبعة وخمسين كيلومترا عن محطة جبيت وسبعة واربعين كيلومترا عن محطةبورتسودان، وينام عمال المحطة الوادعة كغيرها من محطات تلك المنطقة العالية – الذين يربو عددهم على خمسة عشر عاملا بقليل ويستيقظون علىرجع صدى صفير القاطرات وهدير ماكيناتها وهي تنوء بما تحمل من أثقال عند صعودها الىأعلى الخط المنحدر.

 في الخامس والعشرين من فبراير 1965م، تحرك قطار البضائع رقم 57من محطة اتبرا تسحبه القاطرة الانجليزية نمرة (1036) بعد ان أُلحقت به خلفعربة طاقم القيادة (المنامة) ثلاث عربات تقل عددا من الركاب القادمين من مدينةكريمة في طريقهم الى بورتسودان. في صبيحة يوم الجمعة 26 فبراير 1965م، توقف القطارساعة من الوقت عند محطة جبيت (2316 قدم فوق سطح البحر) والتى بوصفها أهم محطة فى المنطقة ومنها ينحدر القطار الى أسفل السلسلة متجهاً الى بورتسودان،  تقوم هيئة السكة الحديد عادة  بحجز القطار فيها لمدة ساعتين يتم خلالها فحص عربات القطارفحصا شاملا للاطمئنان الى سلامة الكوابح (الفرامل) التى تعمل بالهواء عبر خراطين تُعرف بالباكم يتحكّم فيها السائق وكمسارى الفرملة ويتم ذلك عجلة عجلة .. ثم غادرها ليتوقف قليلا من الوقتعند محطة كموسانة (1636 قدما فوق سطح البحر) ليستأنف رحلته باتجاه محطة أكوات.
عندما اقترب القطار من تلك المحطة بدأ سائقه في إبطاء سرعته إلاّ ان جهاز الكوابحفشل في اداء وظيفته فاندفع القطار باقصى سرعته واجتاز تلك المحطة إلى أوبو وتخطاهابنفس سرعة اندفاعه آخذاً طريقه الى محطة (أدراويب) ليرتطم بقطار لنقل البضائع تسحبهالقاطرة الانجليزية نمرة (1052) كان يسير في الاتجاه المضاد وتوقف عند حدود محطة أوبو الخارجية.
حدث الأمر كله فى لحظات .. فبعد الاصطدام المروع .. تطايرت العربات فى الجو مثل علب الكبريت تم تراكمت فوق بعضها لتسحق الركاب بقسوة وتنشر أشلاءهم الدامية فى أرجاء المكان بصورة يصعب وصفها .. يد عروس مقطوعة ومخضبة بالحناء ..ساق معفرة بالتراب لرجل مجهول .. جماجم محطمة واجساد هامدة محشورة فى المقاعد .. جثث متناثرة على الارض ، ورجال الشرطة وفرق الانقاذ التى خفت لمكان الحادثة من بورتسودان وغيرها  ينظرون الى اللوحة التراجيدية الفظيعة بحيرة وذهول يرهق العقل ويشد على الحواس ..
كانت حادثة أوبو كارثة قومية بمقدار ما نجم عنها من خسائر فادحة فيالممتلكات العامة وما خلفته من جرحى بين ركاب القطار جرى اسعافهم بمستشفى بورتسودان فى مشهد مهيب تحفظه ذاكرة الكثيرين وللآن ومن بينهم والدنا الذى كان ضمن افراد القوات المسلحة التى خفت للمكان وشاركت فى سحب الجرحى ودفن الضحايا من الاموات الذين وصل عددهم  فاق عددهم لخمسة وعشرينقتيلا ضمتهم مقبرة جماعية تقبع على مقربة من تلك المحطة الجبلية الصغيرة.
ولن يتخيل قوة هذه الصدمة الهائلة للماكينتن الجبارتين الا شخص يعرف معنى ان ينزلق قطار بدون فرامل أو تابلت  من اعلى سلسلة جبال البحر الاحمر فى اتجاه الساحل المنخفض بآلاف الأقدام  فوق سطح الارض !

وكل أهالى  بورتسودان كانوا  يعرفون ان هذا القطار لو لم يلاقه القطار الاخر فى الاتجاه المعاكس صاعدا .. ولو تم (فتح الخطوط امامه من محطة لاخرى) لانتهى به الامر الى التوقف فى اعماق البحر الاحمر عند حد القضيب النهائى فى الميناء بدون ان يستطيع أياً كان ايقافه . ( راجع الصور الموضحة مع المقال)

                                                        حادث اوبو -القطرين

وكمنحى آخر نذكر أن سائق القطار كان العم ( محمد فقير يوسفسيداحمد ) المولود في كجبار والمتوفي فيه – يرحمه الله ، وقد كانت عقوبةالحادث ان احيل للتقاعد مبكرا ، فعاد لكجبار ليعيش فيها بقية عمره ، وقدحضر أحدهم نقاشاً  حياً بينه وبينه وبين مجموعة من اصدقائه والمواطن محمد حاجصالح ويوسف فقير -الله يرحمهم جميعا- وآخرون، فمن باب المناكفة اتهمتهالجماعة محمد فقير انه سبب هذه الكارثة لانه كان مخمورا ، وانهاستخدم الشعوذة للإفلات  من العقوبة لأن  القاضي كان  يؤجل المحاكمة كل مرة ، وفي النهاية اعفي من الخدمة فقط كعقوبة ، سمع كل هذه الاتهامات عمنا محمد فقيريوسف ولم يغضب ولم يثر في وجه متهميه وقال  في هدوء : لم اكن مخمورا ولااقرب الخمر وانا على سفر حفاظا على ارواح الناس وتقيدا باخلاقيات المهنة ،ويقول : في ذلك اليوم المشؤوم شكوت من سوء الفرامل قبل بعد الخروج من عطبرةوابلغت سلطات السكة حديد بذلك التي ابلغتني بانه سيتم فحص الفرامل في محطةجبيت ، وبالفعل تم فحص الفرامل في جبيت ولكن بعد التحرك منها وانا اتهيأللوقوف في محطة اوبو فشلت الفرامل في العمل وحاولت عدة مرات حتى تجاوزتاوبو ، وزادت سرعة القطار بشكل جنوني فظهر في الاتجاه المعاكس قطار آخر ،وتيقنت ان هناك كارثة ستحدث فلا سبيل لايقاف القاطرة بعد فشل كل محاولاتالايقاف فعلمت انني هالك هالك لا محالة ففتحت شباك القاطرة ورددت الشهادةثلاث مرات واغمضت عيناي لمصيري الحتمي وسمعت دويا هائلا ، ولم ادرى ما حدثبعد ذلك الا بعد ان وعيت بنفسي بعد ثلاثة ايام في المستشفى ، اكدت تقاريرالمستشفى انني لم اتناول اية مواد كحولية قبل 24 ساعة من السفر وتم تفتيشحقيبتي الخاصة ولم يعثروا فيها الا جلابيتين ومسبحة ومصحف ومصاريف السفرولم يجدوا أي مواد ممنوعة ، لقد كان الحادث قضاء وقدر ولا ادري (يستطرد) هللم يتم اصلاح الفرامل كما ينبغي ام ان مشكلة اخرى قد حدثت للفرامل بعدمحطة جبيت ولو وجدوا أي شيء يدينني لما تركوني اذهب خاصة ان هناك ارواحازهقت ، اما أنّ القطار كان مليئا بزجاجات العرقي فهذا محض افتراء لان عرباتالركاب الملحقة بالقطار كانت تنقل حجاجا لبورتسودان ولا يعقل ان يأخذالحجاج معهم خمور في الطريق ..
أما سائق القطار الاخر فقد تداول الناس إشاعة بأنه قد فقد عقله مباشرة بعد أن قفز فى اللحظة المناسبة وشاهد بأم عينه  الحادث المهول البشع  ، وكان مواطنو بورتسودان يشاهدون لفترة طويلة  شخصاً ملتحياً يجوب الشوارع مرتدياً أسمالاَ بالية يعرفونه بلقب (ديجانقو) ويؤكد البعض بأنه هو نفسه سائق قطار البضاعة المنكوب الذى تسبب فى الحادثة الأليمة .

الكمسارى الطاهر أب كروق-قطر حادث أوبو 26 فبراير 1965م

………………….
كواليس قبل وقوع الحادث

عندما كانت اللافتة  مكتظة بالسائقين والمساعدين بعطبرة والكل ينتظر دوره الذي يقع عليه حسب المسير القطارات من كاتب (اليافطة)  المسؤول …
وايضا كان يقام كورس السواقين المنتسبين للهيئة بواسطة المهندس ( عرفة)
وتم اختيار الطاقم المسافر الي بورتسودان علي القطار المضاف عليه عربات ركاب قطار كريمة وكان الطاقم بقيادة السواقين :
النازل محمد عبد الرحمن فوزي
محمد فقيري
المساعدين
احمد بابكر سليمان
الجعلي كرار
وكان نمرة الوابور 1055 من الشركة الانجليزية …

كما زكرنا ان الحادث المشؤوم .. حادث قطار اويو ..تعود تفاصيله الي تحرك قطار الركاب من عطبرة الي بورتسودان المضاف عليه عربات ركاب قطار كريمة …بقيادة السواقين :
النازل محمد عبد الرحمن فوزي
محمد فقيري

المساعدين
احمد بابكر سليمان
الجعلي كرلر
الكمساري
ابو كدوك
وطلع من محطة بورتسودان طلع القطار بنمرة الوابور ( 1036) تحت قيادة السواقين :
محمد محجوب محمود
داؤود فضل خليل
المساعدين
عبد المنعم عثمان
قسم علي
الكمساري
عبد الله سيد احمد كعبار
والقطاران في مسار تحركهما وبصورة طبيعية وكما هو معلوم علي ان يلتقيا في محطة معينة يطلق عليها المناورة والتي ينتظر فيها القطر الاقرب لدخول المحطة …
وفي محطة كمسانة قام القطار النازل الي بورتسودان . وفجاءة حدث امر لم يكن في الحسبان ..عندما فقد القطار باكم الهواء ( الفرامل) وهنا بذل السواق والمساعد والكمساري وبعض زملائهم الذين كانوا علي متن القطار وهم في اجازاتهم السنوية … بذلوا قصاري جهدهم وكل ما بوسعهم وباءت كل المحاولات بالفشل ولم يفلحوا في توقف القطار وفقدوا السيطرة تماما …
وهنا كانت المأساة والكارثة التي هزت البلاد في اشهر حادث بالسكة حديد … حينما إلتقي القطاران وتصادما بمحطة اوبو ..
وظل هذا الحادث خالدا حتي يومنا هذا … وكان الاستنفار من مدينة بورتسودان من قبل كل المصالح العسكرية والمدنية والذين هبوا لمواراة الجثث والتي تم دفنها في مقبرة تحت الجبل وكانت القطارات كلما مرت بمحطة اوبو ترحموا علي شهداء الحادث المشؤوم
نسال الله ان يتقبلهم قبولا حسنا مباركا وان يجعل الجنة مسكنهم … والصحة والعافية للاحياء

الشاعرالراحل محمد الحسن دكتور ـ صاحب أغنية الفنان الراحل محمد وردي أماسيالغربة ـ كتب قصيدة عن هذا الحادث  يستعرض فيها عوالم السكة حديد وفضاءات احلام منسوبيها فى لغة بديعة وينعى من خلالها التفاصيل والرؤى الحزينة – هذا نصها :

دكتور اسماعيل نابرى-جراح عمل فى انقاذ جرحى حادث اوبو 1965م

غناوي تفرّح
قاري شــوية.. وفاهم حبة.. عن (البيركامبو) و ( تشي جيفار).. و(مكسيم جوركي)
خــريج أوســطى.. وعقلـه مفتّح.. وممكن تحلــف أنو مثقــــف
عامل ( ماستر) في إسكيل (دى إس)  .).. وفرصتو واسعة عشان يترقى وياخد (بى)
مكتب عينة.. قهوة تقيلة.. ودامة جميلة.. وبدلة (مهير).. وساعة (سيكو) وخــاتم سيسين

أما أخونا القاري شوية عن البيركامو.. وتشي جيفار.. ومكسيم جوركي
كان (قيزنجي).. وبقى (مســّـاح) .. وإترقي (عطشــجي)

ولســـه .. ولســـه.. كتير مترجي
عشان يترقى ويعمل (ماستر) في (السنفور)
أوضــة( الكمساري).. كتابة ( التابـلت)
عشــان ما يغــالط في ( المحولجي)
وصحبـي الإسمو ( الباشعطشجي)
طــالع ونازل في أســفاره
(منــامة) بســيطة مكان تغميضتو..
جــاته إشــارة .. وجاهو المُعلن
أيـوه بتحصل.. نص الليل.. الساعة إطناشر
ويمكن واحدة.. ويمكن سـتة..!!
يقــوم ويسافر.. إلا يسافر وين .. ما يهمـو
يحـزم أمرو.. ويركب قطرو.. وصوت صفارة من (الكمساري)
يقــوم يدردق
(كأس).. و (تهاميم) .. و (براميا) ..و (إيربا)

وكل محطة.. يقيـف ويغــازل.. أيـوه يغــازل
في( اليايات).. وفي (الأسطبه).. وكوم (شواكيش)
ولمن يوصل ربــوة جميلة.. يقيــف تفــرج:
(صمـَـت ) الحلوة محطة عروس
فيها الناس تتدلى عشان ما تقضي الشهر الغالي
وقـــــف يتفـــــــّرج :
آه.. دي حليــوة .. وديــك ما سمحـة.. وشوفو التالتة اللابسة الكحلي
هـــي..!! الرابعــة بتشـــبه ( نـــادية)   ..!!
وفجــاة إتذكر نــادية حبيبتو.. وبيني وبينك.. لــّو نفســـو..
(
طالت ياخي حكايتي معاها.. سبعة سنين وشابك فيها..؟؟!!
وبرضــو إتذكر.. أمو .. وأختــو .. وعيدو الرابع ما شاف أهلو
مـرة في في شندي.. ومرة في بحري
وضــّرب وقال: العيد الجاي أشوفو معاهم
وقال بالمرة أعرس (نادية).. يكون عيدين طوالي وأخلص
وبرضــو إتذكر (نادبة) حبيبتو.. في آخر مرة كان بتقولو:
(
لون أغبش .. إلا بيرقش.. زي أبنوس بتللألي عليه صفوة تيك..
بتفاخر بيهو
ويــوم قالتلو : ( حــلاتك إنت.. ولــون (أبرولك ).. ورشة زيت يتزين إيـدك
صـــبحت حــافز ليهو في عملـــه,
وفجـــأة إتنبــــــه…!!
ديــة ( أكـــوات ) .. وتابلت ماري محطة مرور
ســــّرح تــاني.. وقلّب إيــدو.. وقنب يضحــك
شــوفو الدبلة مجلبطة كيف بفرامل الديزل
وفجــاة إتنبــه..ّّ قطـــر في الســكة’ ..!!
هـــي .. يا أخــونا أقبــل ويــــن ..؟؟!!
لحظـــة .. وكانت صــدمة عنيفــة … محطــة أوبـــو
(اولى ) في ( رابعـة ).. و ( رابعة ) في (اولى ).. وقطار الديزل.. كتلة رهيبة
فتشـــوا عنو في كل مكــان..
إيـــدو الفيها الدبــلة.. بعيـــدة.. وجمســـو الباقي في حضــن الديــزل
وإفتكــروه.. لمّا لقـوهو.. كان بيغني.. ولســـع بغني:
(
إيــدي الفيها الدبلـة عشانها.. وخايف لما أمــوت
الدبلــة تـــروح

————————————

الوسوم:




تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.