Tuesday, 26/3/2019 | 3:54 UTC+3
صحيفة أصداف

حامد عمر الذي رحل

هاشم بابكر
 
نعت أنباء أمدرمان الراحل العزيز على النفس والوجدان المرحوم حامد عمر عبد الله – البحار سابقاً بطيبة الذكر شركة الخطوط البحرية السودانية الذى رحل فى الأسبوع الأخير من عام 2018م إثر علة طارئة فودع الدنيا التى احبها واحب ناسها مأسوفاً على إنسانيته وزمناً طيباً عاشه ما بين بورتسودان وأمدرمان وبلاداً أخرى ساقتها اليه قدماه وحملتها اليه أقداره .
 ومن الوهلة الأولى يبدو الإسم عادياً كأسماء كل السودانيين ولكن حامد عمر كان استثنائياً ، أنساناً كامل الصفات مبدعاً حقاً ونموذجاً لما يكون عليه السوداني عادة من دماثة خلق وحلو الشمائل ، وبرغم أنه كان بحاراً عادياً مثل رفاقه فى وظيفة (زيّات) بماكينة الباخرة – حيث قدم الى مجتمع الخطوط البحرية (الأسطول التجارى الوطنى) فى الثمانينات من القرن الماضي من سلاح البحرية قاعدة فلامنجو العسكرية التى كان ملحقاً كجندي مارينز بها وتعين فى خدمة الشركة كبحار فى قسم الماكينات ..  إلا أنه كان مجموعة من المواهب .. كان رساماً بارعاً وذا ثقافة تشكيلية واسعة ، أضاف اليها إجادته لكل أنواع الخط العربى والإنجليزي بجانب أنه كان شاعراً مثقفاً يكتب الشعر الحر بصورة مسترسلة هامسة ، لذا تعامل مع مهنته ومع البحر بروح شاعرية شفافة وكتب قصائد جميلة كنا ننشرها له بمجلة (الملاّح) ونشرة (أسطول) التى كانت تصدرها الشركة بصورة شهرية وأسبوعية وفصلية .
لم يكن حامد كغيره من البحارة يغرق نفسه فى حدود مهنته وينتظر (وردياته) بل كان يستوحي روح البحار وشفافية الإبحار والتعامل مع الموج والرياح والأنواء وموانئ الدنيا وأحاديث الوجدان برهافة حس وملكة شعور دافقة تدفعه للقول عبر خواطره المبحرة :
يناديك الرحيل دوما .. يناديك الرحيل
يودعك حنان الإحمرار فى الأصيل النازف
كل رحلة يعود منها كان يكرمنى بتحف ولوحات لرسامين عالميين وهدايا لا يحسن اختيارها الا أمثاله ، ويحكي لي فيها عن عشرات المواقف والطرف ودعابات الرفاق الذكية وكل أسرار أزقة الموانئ العالمية وحواريها ودروبها السالكة ببحارة الدنيا وحكاياتهم التى لا تنتهي ، ويسعد كثيراً برواية نوادر كابتن قاسم رحمه الله – وقاسم محمد عثمان هو أول قبطان بحري سودانى وكان موسوعة فى المعارف وفن البحر ومجمل الفنون والموسيقى ووثيق الصلة بمجتمع لندن حين ترسو باخرة سودانلاين الأنيقة فى الموانئ البريطانية الجميلة لدرجة أنه كان صديقا للمستر هارولد ولسون رئيس وزراء بريطانيا ، وكان يمتلك بيتاً فى الريف الإنجليزي ، وأيضاً تميز كابتن قاسم بأنه كان أحد امراء النكتة والقفشة فى مجتمع البحرية لا يشق له فيها غبار .. منها أنه ذات ليلة والباخرة مبحرة فى عرض البحر استدعى بحاراً شديد سمرة البشرة – وكان يعمل في وظيفة نجار بالباخرة ،ولما حضر وأضاء النور فى غرفة القيادة إلتفت اليه الكابتن ووجده يرتدى بنطالاً أسود وفنلة سوداء وليل البحر ساعتها مدلهم،  فقال قاسم بطريقة درامية : مالى أرى فى النورِ أشباح الظلام ؟ وواضح هنا أن عبقرية قاسم تجلت فى قدرته على الربط السريع مع أغنية أبو داؤود والشاعر حسين عثمان منصور (همسات فى ضمير الغيب تشجى مسمعى ) يقول لي حامد عمر ..أغرقتً فى الضحك وأنا امسك بـ(دومان) القيادة فى السفينة وتعجبت لذكاء الكابتن وسرعة بديهته .
وعندما بدأت سفينة الخطوط البحرية السودانية رحلة الغرق الإدارى والإقتصادى بعد طول عز ومسيرة عنفوان وسمعة عالمية داوية كان حامد عمر من أول العاملين بقسم البحر الذي (نزل) منها ،وقدم إستقالته ليفتتح مع صديقنا الأستاذ أحمد بابكر المهدي ورشة فنية فى عمارة موسي بقلب سوق بورتسودان الكبير أسموها وكالة سواحل للاعلان مارست عمل اللافتات التجارية والأعمال الفنية والمعارض وكان حامد عمر فارس المحل والفأل الحسن لكل بداية ناجحة بفنه وخطوطه وكل جمالياته ..ولحظتها كان البعض من الشباب لا زال يتكالب على (التعيين) كبحارة فى سفن الخطوط البحرية ، فخطر لي أن أسأله عن سبب استقالته الباكرة فرد علىّ قائلاً بأنه (قرأ) الشركة جيداً من اليوم الذى  أضطر فيه الى بيع (البالطو) الخاص به فى السويس حتى يتصرّف بثمنه ! فى وقت كان فيه فى السابق إنسان الخطوط البحرية يُعد طبقة فوق المجتمع من ناحية الوضع المعيشى المريح والمرتب الذى يصرفه (بالدولار الحى) ..وكان العاملون بالشركة براً وبحراً يتقاضون مرتب أربعة شهور كحافز أرباح سنوياً (بونص) فى كل نهاية عام .
وصدق حس حامد عمر إذ لم تمر سنوات قليلة حتى هوي طائر (أبو منجل) شعار الشركة من سارية العلم الرمز وذهب الى المجهول ولكن قطعاً ليس الى غياهب النسيان .
وكذا صديقنا حامد عمر سيظل يرمز لجيل كامل وحياة رائعة عشناها طويلاً كما يجب أن تكون ..
وداعاً حامد عمر ، وعلى قول شاعرنا د.عمر محمود خالد : ليه الناس بقت بى سرعة ترحل ؟.. واللى برحل هو اللي أنبل ..وهو اللي أحلى وهو  اللى أجمل !





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.