Saturday, 17/11/2018 | 2:45 UTC+3
صحيفة أصداف

حديث الذكريات.. وربيع العمر

تعبر بالإنسان- أى إنسان – أطياف من الذكريات تجعله يقسّم أو يوزع العمر إلى مراحل ومحطات  فيها الخامد الساكن وفيها العامر بالأحداث والمواقف التى لا تُنسى ..فيها ما يعلق بالخاطر وفيها ما تطويه عجلات الزمن ولا تحفظ الذاكرة منه شيئاً ويسافر بالسلامة الى عالم النسيان . واحسب إنى برغم المشوار الطويل الذى سعت به الأقدار لى فى عوالم شتى قاسيت فيها اللين والفظعا –على قول الشاعر إلا أن فترة المدرسة الوسطى فى بواكير العمر هى الأكثر تشبثاً بوجدانى ..وبحق كانت عامرة رغم حداثة السن ونعومة التجربة، والحق لله  كنت من المحظوظين الذين توفرت لهم ظروف تعليم مثالية كانت فيها الدولة هى الأب والأم والأسرة ..تصرف على التلاميذ دون بخل او إقتار بحسبانهم رجال الغد العاملين ..
درست ثلاثة سنوات بمدرسة شندى الريفية الوسطى التابعة لمعهد التربية شندى وجئتها منقولاً بعد عودة أسرتنا من بورتسودان لظروف سفر والدى التابع للقوات المسلحة لجنوب البلاد ضمن كتيبتهِ وذلك لمحاربة التمرد فى الفترة التى أعقبت حكومة الرئيس عبود قبل ان نعود للبورت ثانية فى عام 1968م .. وتم إلحاقى بالداخليات العامرة آنذاك ..كل شئ على حساب الدولة ولا حاجة للتلميذ بمصاريف جيب الا التى يدفعها لتذكرة دخول السينما الزهيدة كل خميس .. تعليمنا فى مرحلة الأوسط يكاد يصل حد الترف آنذاك ..أساتذة أكفاء ، قاعات للفنون والنحت والموسيقى وتعليم طريقة تجليد الكتب وكذلك الطبع على الملابس كان بالمدرسة معامل للوسائل السمعية والبصرية ، ملاعب متكاملة للمناشط تصلها الكرات والشباك والمعدات من رئاسة الوزارة بالخرطوم بإنتظام ، معسكرات كشفية تمتد لأسبوع تشمل زيارة آثار البجراوية والنقعة والمصورات ،نطبخ فيها طعامنا بأنفسنا ونغسل ملابسنا وننظف معسكرنا وخيامنا حتى نعتاد الإعتماد على النفس ، وهذا برنامج يدخل ضمن المنظومة التعليمية الشاملة التى إعتمدها الإنجليز أيام المستر قريفيث مدير معهد التربية بخت الرضا ، والمستر سكوت رائد وضع مناهج التعليم للمدراس السودانية مع السودانى العظيم عبد الرحمن على طه – وبها أحدثوا نقلة كبيرة فى أسلوب التعليم للسودانيين الذى كان يعتمد فقط على خلاوى تحفيظ القرآن .
كان معهد التربية شندى كغيره من المعاهد التى نشأت بفكرة نابعة من كلية غردون التذكارية مثل معهد التربية الدلنج وكسلا وغيرها صروح كبيرة عامرة بالحيوية والنشاط  الغرض منها تأهيل معلمين مقتدرين مدربين يساهمون فى صنع الأجيال القادمة ، والأعجب من ذلك كان توفر المواهب البشرية فى كل شئ.. مثلاً كان منهم أساتذة تحت التأهيل رياضيين يلعبون بإمتياز لأندية شندى الكبيرة مثل الأهلى والنيل وساردية وغيرها  وكنا نتفرج عليهم بإنبهار وإعجاب ولا زال البعض منهم عالقاً بذاكرتى ..وحتى على مستوى داخلياتنا فى مدرسة شندى الريفية الوسطى الملحقة بالعهد نعمتُ بمزاملة طلاب أفذاذ فى كل الألعاب .. مواهب فى كرة السلة والطائرة والتنس بصورة لا تُصدق .. ولا زالت أذكر أسماء مثل عثمان حسن أحمد من أولاد المتمة ، وعلى حسن من ابناء قرية قندتو ، أما انا فكنت بارعاً فى تنس الطاولة ومتذوق أصيل ومشاهد حريص لكل اللعبات فى تلك الميادين العامرة ،واشتهرت داخليتنا (سلوة) بالتفوق فى منشط الكرة الطائرة لا تنازعنا فى ذلك مسميات اى داخلية اخرى مثل داخلية المتمة أو داخلية (الحوش) .. واذكر من المناسبات الضخمة التى صادفت وجودى بالمدرسة آنذاك فى عام 1967م – كانت مناسبة الإحتفال بعيد المعاهد الثالث الذى استضافه فى تلك السنة معهد التربية شندى ،ويالها من أيام! جاءت المنافسات ساخنة على أشدها وكل معهد كان يبدع ويبهر بمنسوبيه وأساتذته وعروضه.. وأذكر إننى شاركت بالغناء ضمن كورال من الزملاء الطلبة وقدمنا رائعة أحمد شوقى (زحلة) من ألحان أستاذ الفنون واسمه الطيب البشير ..وكان عملاً رائعاً نال الإعجاب وانهالت علينا الجوائز والتهانى ونحن نصدح بحناجرنا الصغيرة بتلك الابيات الخالدة : يا جارة الوادى طربتُ وعادنى .. ما يشبه الأحلام من ذكراكِ .. مثّلت فى الذكرى هواكى وفى الكرى .. والذكرياتُ صدى السنين الحاكى .
ولا زالت أرى ضرورة بعث هذا اللحن الجميل بواسطة الإذاعة السودانية ويمكننى أن أردده لهم اليوم إن أرادوا …وسبحان الله..لحظ حفظته لمدة نصف قرن من الزمان ولا زال كامناً فى الجوف وثنايا العقل الباطنى ..رحم الله تلك الأيام ..
وللداخلية هنا أحاديث يحلو إجترارها .. المذاكرة ، وأيام الإمتحانات، والمرح الطفولى الناضج ، وحب القراءة ونشر الصحف الحائطية وكانت العبقريات الصغيرة على قفا من يشيل .. كانت هناك حصة المكتبة التى تعلمنا منها حب القراءة والإطلاّع ..وعبرها تعرفنا على نجوم الكتابة فى ذلك الزمن ،كامل كيلانى وطه حسين ود.عبد الله الطيب وعلى أحمد باكثير وغيرهم ، كنا نستمع إلى أستاذ اللغة العربية  مبهورين وهو يقرا علينا قصة الفارس الأسود ، هوينا الشعر الجيد العذب وكنا نتناشد أبيات قصيدة الأديب والمربى والمؤرخ الكبير الشيخ بابكر بدرى:
جاء الخريف وصبّتِ الأمطار .. والناس جمعاً للزراعة ساروا
هـذا بمنجلـهِ وذاك بإبنـهِ … والكـل فى الحش الســريع تبـاروا
وحتى الآن لا ندرى من هو ذلك التلميد الذكى الذى حوّل أبياتها الى (حلمنتيش) ساخر يؤرخ لشقاوة التلاميذ فى (السفرة) وقاعات تناول الطعام الغنى باللحوم المشوية – أى والله لحوم مشوية- لتلاميذ مدرسة وسطى! ومعها الأرز والكاسترد واللبن من الأبقار المربوطة فى (زريبة) خاصة فقط لتغذية التلاميد ومعلمى المعهد الذين هم قيد التدريب والتاهيل بالجانب الآخر البعيد من فصولنا الدراسية وداخلياتنا .. تقول الأبيات الطريفة على ذات الوزن:
نضج الطعام وطارتِ الأخبارُ .. والقومُ جرياً على الغداءِ تباروا
هذا بملعـقـة وذاك بكُمشـة ..  ضـرباً على الأرز المفلفلِ غـاروا
صوت المعالقِ فى الصحون كأنها .. قذفُ القنابل والصحون مطارُ
مـلأوا الكـروش وأوقفـوها زمبـةً .. وتحيّـروا فى حملـها واحتاروا
وفى آخر السنة الدراسية كنا نتسلم (تصاريح السفر المجانية) لأهالينا بالسكة حديد لأى بقعة فى السودان على حساب ميزانية وزارة التربية والتعليم أو وزراة المعارف سابقاً على عهد الرئيس الفريق ابراهيم عبود  طيب الله ثراه
ورعى الله تلك الفترة الخصيبة من عمرى التى (لا زلت أطراها ..يا ليتنا عدنا أو عادتِ الأيام ) ..كانت زادى الجميل فى إنطلاقة المستقبل الذى أظل غير نادم أبداً على أى خطوة خطوتها فيه والحمدلله من قبل ومن بعد .





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.