Wednesday, 21/11/2018 | 9:33 UTC+3
صحيفة أصداف

حوار استثنائى مع المرحوم الفاضل سعيد

–   بت قضيم والعجب : شخصيات تتطور بموضوعها وقد أثبتت صمودها وقدرتها على التميزبتزايد حركتها وتفاعلها جماهيريا عبر كل الأجيال.

–   المسرحيون فى هذا البلد أنبياء يقتلون الواحد تلو الآخر.

 

 

نمت وتجذرت بين الاستاذ المرحوم الفاضل سعيد ضرار سالتنود ومدينة بورتسودان جسور ممتدة من الود والوفاء وهو شعور متبادل نحسه فى الحب الجنونى الجارف لجمهور الثغر لمسرح الفاضل سعيد .. هذا الحب الكبير بين الفاضل والولاية بفى حتى اللحظات الأخيرة من حياة الفاضل الذى اختار له الله أن يلفظ انفاسه الاخيرة على خشبة مسرح الثغر فى العاشر من يونيو  من العام 2005.. ولم يكتفى الفاضل فى حياته بهذا النهر الفائض من المحبة  فقد نظم فى هذه الولاية الحبيبة عدد من القصائد الرائعة التى عبر من خلالها على عشقه والتصاقه بها قدرا ومصيرا ومودة والفة.

حاوره : عبدالروؤف بابكر المهدى

فى ديسمبر 1995 أجريت حوارا طويلا مع الأستاذ الفاضل  خلال احدى زياراته لمدينة الثغر  ولقد استطعت أن أتغلل من خلاله لأعماق هذه الشخصية الكريمة الوقورة وظفرت بمادة وافادات نادرة وجديدة فألى مضابط هذا الحوار الممتع.

س1:  المسرح هو وسيله التعبير الا كثر حساسيه.. ونجد أنه من الصعب مصادره رؤيته .. وخلال سنوات الكبت  والطغيان لعب بعض المسرحيين دورا كبيرا في النضال الرمزى  بل  وفي التمهيد للانتفاضه اين كان مسرح الفاضل سعيد خلال تلك الفتره؟

ج:  كان مسرحى في قلب المعركه .. وكانت كل اعمالي الكوميدية او اغلبها تصادم منحازة لمعاناة الانسان السوداني المسحوق .. وكنت عبر هذه المسرحيات اوجه النقد الغير مباشر باسلوبي المعلوم للجمهور حيث لا  اقول للاعور أنك أعور ولكن اقول له عينك واحده كويسه .. وظهرت  تأثيرات وملامج  ذلك وبوضوح  في مسرحيات ( العم صابر ) و( الحسكنيت ) واخيرا   ( تباشير) واعتقد انها المسرحيه التي بشرت بالانتفاضه فلقد كانت اكثر جرأة في التصدي للواقع الذى عاشه الناس وقتها.

س2:  في ذلك المنعطف الخطير .. يمكن للمسرح ان يلعب دورا كبيرا واساسيا في طرح ومعالجه مشاكل المواطن .. لكن الفاضل لازال يقف عند ( بت قضيم والعجب )  كرموز تتسم بالسذاجة وأن ..اي اسلوب لطرح هذه المشاكل من خلال هذه الشخوص لا يمكن ان يعبر ويعمق عن ألام وآمال الناس فما  رايكم ؟

ج:  طربت كثيرا ان تطلق على هذه الشخصيات اسم ( رموز ) .. فحينما يكون للكاتب رؤيه تجاه التزامه من قضيه ما .. يلجأ الى استخدام الوسائل القادره علي التوصيل وقد اثبتت هذه الشخصيات  التى أطلقت عليها صفة الرموز صمودها وقدرتها في التعبير .. والشاهد علي ذلك تزايد الاقبال الجماهيري عليها بمختلف الاجيال .. وهذه الشخصيات التي تبدو للوهله الاولى  بانها ساذجة  تتطور بموضوعاتها .. وهي اولا واخيرا وعاءا .. لايرفض اي مادة بل له القدرة على مختلف أشكال .. ولمسرحنا الا غبش افضل ان يحمل اللبن والروب في ( كنتوش ) من ان احمله في زجاجه ( بايركس ) لامعه .. خذ العجب مثلا هو شخصيه الانسان السوداني الزاخر بالقيم الاخلاقيه السمحة الذي تضربه رياح واعاصير الضغوط الاقتصاديه التي قضت كثيرا على بعض  هذه القيم .. ومع كل ذلك فالعجب يصرعلي ان يظل صوتا للضمير الانسانى الحي .. متمسكا بالقيم التي تظهر في مثل هذا المجتمع بانها نوع من البساطه والسذاجه .. والعبط  ففى هذا المجتمع نجد ان مستحدثات العصر جمعت حول الناس كثير من الهموم والتحديات .. يسعي عبرها لتحقيق طموحاته بما حل وحرم  .. مثل هذا الانسان لابد ان  ينظر اليه كسازج وعبيط ولكن وراء هذا العبط فلسفته ،وانا عندما اصل الي  قناعة بان هذه الشخصيه قد استنفذت اغراضها ساحكم عليها بالاعدام قبل ان تحكم علي .

 

س3:  يقودنا السؤال السابق الي سؤال متصل ..وهو ان ماطرح اعلاه يعني ان مسرح الفاضل سعيد لازال يعاني نقصا واضحا في طرق معالجه القضايا الهامه باشكال ووسائل متجدده ..هل انت قادر علي تجديد نفسك من خلال شخصيات اخرى خلاف التي عرفت بها ؟ وهل الفاضل قادر على التعامل مع نصوص مسرحيه خلاف تلك التي يؤلفها ؟

ج:  لعلني اجبت ضمنا على هذا السؤال  فيجب ان تعلم ان ( بت قضيم ) و ( العجب ) و ( كرتوب) ليست هي التي خلقت الفاضل سعيد .. بل العكس هو الصحيح و لقد تزايدت حركة وتفاعل هذه الشخصيات عبر اكثر من ربع قرن من الزمان وان من يستطيع ان يبتدع مثل هذه الشخصيات ويتلاحق بنجاحها عبر هذه السنوات الطوال لايعجز من ان يخلق غيرها .. وحينما طاردني هذا الاهتمام كثيرا رددت عليه بمسرحيه ( عم صابر ) فكانت شخصيه الخير .. بالنسبة للجزء الآخر من السؤال  أنا منفتح على مختلف النجارب فلقد كانت مسرحيه ( جاره السؤ ) للاخ الدكتور عبد الله السريع  الرد العملي للاتهام الذي يطاردنى و يقول بان الفاضل لايستطيع الخروج من دائرة أعماله الشحصية والتعامل مع تجارب مختلفة.

س 4 ازمة المسرح السودانى أين هى هل فى الهوية .. أم النص .. أم هى أزمة الممثل والاخراج والانتاج والترويج الاعلامى والتمويل .. أم ماذا؟

ج   بعض هذه العوامل وغيرها تشكل أزمة المسرح السودانى ..  لكن المسئول الأول والأخير هو الدولة .. المسرح السودانى  كان طفلا يافعا يحبو على الثرى ومازال يتحسس خطواته  ليسير على قدميه .. لكنه يظل طفلا مشردا معذب الاقامة  لايجد راعيا .. ولا أبا ..  ولامطرحا .. فالمسرح مضروب عليه حصارا سياسيا ما انفك حتى الآن وتبدو ملامحه فى التعتيم الاعلامى عن دوره ونشاطه .. ويبدو ذلك فى الظلم والحرمان  والتمزق والاحباط النفسى الذى يعيشه أبناء هذه ( الحوش ) هذا برغم وجود قدرات ابداعية متفردة نجدها فى هذا الكم الهائل من الممثلين والمؤلفين والمخرجين الذين توقفوا عن صناعة الابداع مضطرين .. بكل أسف.

س 5 المسرحيون ونقاباتهم متهمون بالتهافت وراء الكسب الشخصى على حساب العمل المهنى الرشيد .. والا فاين هو المسرح السودانى على خارطة المسرح العربى مثلا؟

ج   اذا صح الاتهام فأنا أجد لهم العذر .. كل العذر هم بشر لهم تطلعاتهم ولهم التزاماتهم وازاء الاحساس بهذا الضياع  الذى تعيشه هذه الفئة لابد من أن يفكروا فى الكسب وتأمين حياتهم لابد من أن يفكروا فى  الشباك وفى رفع قيمة التذاكر فالممثل لايجد أى نوع من أنواع الدعم .. ولاحتى الدعم المعنوى .. فنحن نؤجر مسرح الحكومة وندفع الضرائب والدمغة وضريبة الدخل الشخصى .. وبعض الولايات ابتدعت نوعا من أنواع الضريبة كضريبة الطفل وضريبة التجميل وضريبة حلاقة رؤس المسئولين و … و… ولكن مع كل هذا لابد من أن نقول شكرا للجمهور الذى يشاركنا التضحية فضيفنا على مقاعد المسرح هو الأخر لايجد كوب ماء وقد يخسر ملابسه من سوء حالة المقاعد فأين الكسب الذى أشرت اليه .. انا أكسب مثلا فى بورتسودان والابيض وتمتد أعمالى ونشاطى للفاشر وكادوقلى باعتبارات أهمية الوصول لكل مواطن فأرجع لأستلف أجرة الترحيل .. الممثلون فى هذا البلد أنبياء يقتلون الواحد تلو الآخر .. وأقسم لك صادقا أنه فى نهاية رمضان زارتنى احدى أعظم ممثلاتنا وهى تشكو لطوب الأرض .. كانت بحاجة لسكر ومائة جنيه لمقابلة التزامات العيد ولولا ثقتها فى شخصى لما طرقت بابى .. الممثل يتمزق ويموت ويحيا بالكبرياء فقط.

س6   ذكرت أن المسرح يعانى ولايمكن أن يتحقق له النمو والنهضة دونما دعم وتشجيع ورعاية من قبل الجهات الرسمية .. وهذا الأمر لم يتوفر حتى الآن .. لماذا لايحاول المسرحيون ونفاباتهم استثمار الرأسمال الوطنى فى هذا النشاط؟

ج   أجاب بألم .. رأس المال فى السودان جبان .. يسعى فقط للبوتيكات والكوافير والبقالات .. أنا أدعو للاستثمار فى هذا المجال وأراهن تحت كامل مسئوليتى على نجاح ذلك.

س7   الفاضل سعيد متهم بالابتذال فهو دائم التغيير فى وجوه أعضاء فرقته المسرحية ويلجأ احيانا للتعاون مع مسرحيين من الأقاليم التى ينظم فيها عروضه وذلك من أجل تخفيض نفقات وكلفة هذه العروض وبالطبع يجىء ذلك خصما على الاستيعاب والتجويد؟

ج   أجاب وبانفعال : ذلك الأمر لم يحدث الا مرة واحدة وكان مع مجموعة النورس المسرحية بمدينة بورتسودان ولم يكن ذلك الا مهر محبة بينى وهذه الارض وكان فى مغزاه البعيد تلاقح ثقافى وفكرى وتعاون بينى وبورتسودان والامر تم بمبادرة من فرقة النورس .. وأنا اسمى ذلك ضيافة اسرية وأشهد فى الوقت ذاته على أن بالأقاليم ابداعات ومواهب عظيمة ومقتدرة .. ومن جانبى أرحب بكل تعاون وعلى استعداد لتقديم كل مايمكن من دعم وعون.

س 8  لنعود للبدايات هل وجد الفاضل سعيد طريقه ممهدا لاحتراف التمثيل؟

ج  لا والله لقد عانيت كثيرا فى هذه السكة المحفوفة بالصعاب .. فلقد وجدت معارضة كبيرة من الاسرة وخاصة الوالد الذى وقف بكل حزم ضد احترافى هذا العمل الذى كان يرى فيه ضياع لمستقبلى .. وكان يطاردنى ويراقبنى منعنى من السهر .. فكنت عندما آتى للمنزل متأخرا أضطر الى تسلق الحائط .. لكن الوالد اكتشف ذلك وقبضنى وانا اتسلق الحائط فزجرنى وطردنى .. وفى تلك الليلة العصيبة طاردتنى كل مشاعر الاحباط  واليأس واظلمت الدنيا فى عيونى وراودتنى الكثير من الافكار المجنونة وأنا فى هذا الوضع هائما فى طرق الحى اذا باحد عمال الصحة يحمل جردل الاوساخ على راسه وهو يترنم باغنية الفنان ابراهيم عوض ( ياجمال دنيانا  ياجمالا) .. احتقرت نفسا لدرجة كبيرة وقلت فى نفسى : هذا الرجل يحمل على رأسه كل هذه القاذورات ومع ذلك يصدح لجمال دنياه فما بالى أنا .. وكان هذا الأمر بمثابة نقطة تحول ايجابى فى حياتى .. صبرت وتجملت حتى استطعت أن أحقق بعض من احلامى ولله الحمد.

 

الوسوم:




تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.