Friday, 22/3/2019 | 3:54 UTC+3
صحيفة أصداف

قتلى متظاهري الخبز شهداء

موازين

أبو عيشة كاظم

قتلى متظاهري الخبز شهداء

(1)

غابت هذه الزاوية لثلاثة أسابيع متتالية  لإنشغالي بمتابعة حالة ابن أخي المدثر ابن محمد عثمان الأكبر الذي كان يتلقى العلاج بإحدى مستشفيات القاهرة وفاضت روحه بها إلى الرفيق الأعلى عصر السبت الخامس عشر من ديسمبر كانون الأول ووري جثمانه الطاهر يوم الثلاثاء الثامن عشر من ذات الشهر بمقابر آل كاظم بحي المشيل بسواكن ، ورغم المصائب والنوازل والبلاوي التي حلت بولايتنا ووطننا السودان خلال تلك الأسابيع التي انقطعت فيها عن الكتابة الراتبة لأن مصيبتي في المدثر كانت عميقة الأثر وتسببت الفاجعة التي حلت بآل كاظم عموما في فتور أصاب مراكز القدرة علي التفكير والتحليل في دماغي وانتابني إحساس قاتل بعد سماعي نبأ وفاة ابني المدثر إني لن أقوى علي فعل شئ بعد وفاته ولكن الله تبارك وجل في علاه افرغ علينا نحن أسرته الصغيرة والكبيرة صبرا واحتسبناه عند الله شهيدا ، أسأل الله تقدست أعتابه عن الضد والند أن يدخله أعالي الجنان وان يجمعني به قريبا أن شاء الله في فردوس ربنا تبارك وتعالى . كان لابد لي أن ابدأ زاوية هذا الأسبوع بمادة الفقرة الأولى حتى أبين لقرائي الأماجد أسباب غياب المقال ولأن قرائي هم أصحاب العمل كما أقول دائما فلابد أن أشركهم في أحزاني وأفراحي .

(2)

ضاق الناس في هذه البلاد التي تسمى السودان ذرعا وجزعا وبؤسا مما آل اليه حال الاقتصاد حتى أضحت معيشتهم ضنكا بالفعل ، وطال غلاء الأسعار والخدمات كل السلع ومايحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية ، تحمل المواطن السوداني البائس صنوف وويلات الغلاء طيلة الثلاثين عاما بصبر لم تسبقه اليه كل شعوب العالم وكان ومازال شعبنا في كل بقاع السودان يتجنب إثارة مظاهر الانفلات ويمارس ضبط الذات على الرغم من أن تحمل كل صنوف المعاناة التي بلغت شأوا لم تبلغه من قبل  أمر لا يحتمله الا الأنبياء والرسل المعصومين من الله جل وعلا ، لقد فجع الناس وأصابهم الهلع وأضرب كثيرون منهم عن الطعام دون ضوضاء أو جلبة أو إعلام لسبب بسيط يتمثل في عدم قدرتهم على توفير أساسيات العيش التي يمكن أن تبقي الإنسان علي الحياة ، فان كان الناس يلهثون لتوفير ضرورياهم حين كان سعر الرغيفتين بجنيه وطلب الفول المصلح بعشرين جنيه وكيلو السكر ب22 جنيه وكيلو العدس ب20 جنيه فكيف يكون حالهم اليوم وقد بلغ سعر الرغيفة (وزن الريشة) ثلاثة جنيهات – قبل التراجع الأخير – وكيلو السكر 50 جنيه وطلب الفول المصلح مابين 40 إلي 45 جنيها …!
أنها والله الذي لا اله غيره أوضاع لا يحتملها شعب الحد الأعلى لرواتبهم وأجورهم لا يبلغ الألف جنيه من العمال والموظفين !
 ان الأوضاع مأزومة وأحوال الناس كما يقولون العامة (تحنن الكافر) فمتى تحن الحكومة وتثوب إلي رشدها وتجري تقييما شاملا وعميقا لسياساتها الاقتصادية التي أنهكت شعبها وأهلكت الحرث وجعلت بني السودان يتيهون في الأرض بحثا عن حياة مستقرة في ارض الله الواسعة ، والفرصة مازالت متاحة ومواتية لتصحيح الأوضاع وتقويم المسار ومعالجة الأزمات باتخاذ قرارات جريئة وقوية لأن حال الاقتصاد السوداني لن ينصلح مطلقا بموجهات وإجراءات وقرارات سطحية لا تنفذ لعمق القضية والأزمة ولتبدأ الحكومة منذ موازنة العام المالي 2019م ولن يتحقق ما يصبوا إليه شعب السودان الا بقرارات تتنزل إلي أفعال علي ارض الواقع.

(3)

قلناها من قبل ولن نمل القول في أن إصلاح حال الاقتصاد السوداني مرتبط بشكل مباشر بإجراء إصلاحات سياسية  شاملة تبدأ بمصالحة وطنية مع كل القوى المعارضة في الداخل والخارج مهما كانت التضحيات ومهما بلغ الثمن وان ارتفعت سقوفات مطالب المعارضين والمتمردين إلي عنان السماء السابعة ، ذاك لأن المصالح الوطنية المقدسة  التي سيجنيها الحزب الحاكم من وراء التنازلات التي سيقدمها لخصومه في ميدان السياسة وميادين الحرب أكبر وأعظم نفعا من كل المكاسب الأخرى ، لأن الإستقرار السياسي سيضمن للمؤتمر الوطني حتما قيادة وطن متماسك معافى من الابتلاءات والخلافات والنزاعات والحروب الأهلية ، أن الناس يأملون في أن يقود السيد رئيس الجمهورية بنفسه إزالة التشوهات والترهل في أجهزة الحكم علي المستوى القومي والولائي ومن ثم يقود هو بذاته مبادرة مصالحة مع كل القوى السياسية كما قلنا وليذهب للمتمردين وحاملي السلاح في كاودا بجنوب كردفان  إن أرادوا وأقول ذلك لأني أدرك تماما أن الرئيس البشير لا يخشى ولا يهاب الا الله وهو مستعد على الدوام في أن يجالس الشيطان ذات نفسه أن كان ذلك من اجل مصلحة بلاده وشعبه ، وليكن العام 2019م عاما لإنهاء كل النزاعات والتوترات والخلافات والتمرد بكل أنحاء البلاد مهما كلف ذلك من ثمن ، لأن تكلفة الترهل الحكومي والحروب اكبر بكثير من تكاليف دعم الحكومة للسلع والخدمات .

(4)

لقد بلغ السيل الزبى ولم يعد في مقدور المواطن السوداني تحمل مشقة ارتفاع تكاليف المعيشة وعلى الحكومة التحرك في كل المحاور والاتجاهات داخليا وخارجيا للسيطرة على انفلات الأسعار خوفا من حدوث كساد يتضرر منه التاجر والمواطن .. والأهم أن يتحرك لضمان توفير لقمة العيش الكريمة للمواطن السوداني دون صفوف وازدحام وبتكاليف يغطيها الراتب أو الأجر ، هل يعقل أن تعطي الحكومة للمواطن السوداني راتبا لا يكفيه لبضعة ايام وفي أحيان كثيرة ليومين أو ثلاثة ! فمن أين يغطي أفراد الشعب السوداني تكاليف معيشة سبعة وعشرين يوما في الشهر ؟ ، هل يسرق أم يحتال أم يتاجر في السلاح أو في المخدرات ؟؟؟ أنها أسئلة نوجهها مباشرة لقيادة الدولة ونقول لهم هل تراودكم هذه الأسئلة عن حال ووضع الشعب السوداني وهل نجد لها عندكم أجوبة شافية !!؟

ينبغي للحكومة بصفة عاجلة رفع الحد الأدنى للمرتبات بما يتناسب والحد الادني للمعيشة وينبغي لها أن تصدر قرارات بالسماح للمواطنين بالتظاهر السلمي وحمايتهم من المندسين والمخربين وصناع الأزمات المفتعلة وشذاذ الآفاق ، نأمل أن توجه الجهات العليا في الدولة الشرطة والأمن والجيش بعدم اعتراض المتظاهرين والتعامل معهم بقسوة بإطلاق الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية ، والأمل معقود على الحكومة في أن تخصص سرايا وكتائب وألوية وفرق كيفما اقتضى الحال موجهة لحماية المتظاهرين ومنعهم من التخريب وضمان إيصال رسائلهم للسيد رئيس الجمهورية والسادة ولاة الولايات والمعتمدين والمسؤولين عن معاش الناس بصفة عامة ، لأن ردع المتظاهرين بتلك الطرائق التي تمت خلال الإسبوع الماضي كانت قاسية ومؤلمة ومجحفة وتوغر الصدور .
 نأمل أن تستقيم الأوضاع وتتحسن الأحوال بما يمكن الموطن السوداني من العيش الكريم دون أن يتعرض للقتل والتعذيب والتوهان ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل الذين قتلوا في مظاهرات غلاء الأسعار وان ينزلهم منازل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

ودمتم أحبتي





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.