Sunday, 16/12/2018 | 5:35 UTC+3
صحيفة أصداف

قصة أغنية : أرجوك يا نسيم روح ليهو – فازت بها حسناء بورتسودانية

تقديم : هاشم بابكر :

الشاعر القومى الكبير محمد البشير عتيق (1910-1992م) الذى توافَق سادنىْ حقيبة الفن على مصطفى الدكشنرى والإذاعى عوض بابكر على تلقيبه بـ (أمير التجديد) لأن أشعاره حملت مفردات ومضامين جديدة وعالجت مواضيع متنوعة فى أغنياته العبقرية الخالدة ، بجانب إعتداده بنفسه وكريم خصاله ويعبر عنها برباعية قال فيها:

من يوم ما نِشيت أنا للفضيلة زميل
لا خـدّاع ولا قطّـاع ولانى عمـيل
للخلق الكريم أرتـاح وقـلبى يمـيل
زى المغنطيس أجذب لكل جـميل

كان عتيق قد كتب أول أغنية له فى عام 1927م بمدينة عطبرة وهى أغنية ( يا مناى وازاد بى ضناى .. كيف علاجى وإنت الطبيب ) ومن يومها أنداح عطره الفنى وعم الأسماع والقلوب المرهفة بطول البلاد وعرضها ..

وفى جريدة (السياسة) – يوليو 1986م حاوره الاستاذ الشاعر التيجانى حاج موسى وقال فى مقدمة الحوار : ظل عتيق لأكثر من نصف قرن يصدح ويشجو ويكتب ،يحب الحياة وتحبه، ويعشق كل الناس ويموت حزناً إذا حدثته عن الشيخوخة بالرغم أن شهادة ميلاده تقول انه جاوز السبعين لا لشئ إلا لإحساسه بأن هناك أغنية لم تُكتب بعد ،وبأن هناك مساحة من الجمال لابد له من عبورها ، وحينما يغالطه منطق العمر يقول ضاحكاً :أنا أقر بشيخوختى ولكنى شيخ الشباب .. ويقرأ لك رباعية من شعره

بتباع أكون فى الثروة كونتى ميخالس
خمسين سنة وللآن للأغانى أمارس
للتجديد مواكب وللفضائل غارس
بأ شعارنا إبداعات فنون ومدارس
لكِن للأسف حيين وغيرنا الوارث

ولعل محاسن الصدف التى جعلت شاعرنا عتيق يلتحق بخدمة السكة حديد عطبرة فى عام 1936م فى وظيفة براّد وجاء إلى مدينة الثغر منقولاً بدواعى العمل، ومن ثم سرعان ما انخرط عتيق فى مجتمعات بورتسودان وجمالياتها وأمسيات ثقافية كان مسرحها نادى الخريجين وكان هناك أدباء مثقفى تلك الفترة أمثال أمين التوم وعبد العزيز الكابلى ومحمد حسين قشط وهاشم الليثى وعثمان عبد الرحيم ، وأسفر هذا الحراك المجتمعى عن قصائد جميلة لعتيق – منها يا ناعس الأجفان ، وأرجوك يا نسيم روح ليهو ، واغنية لىْ فى الحب مسائل يا قاضى الغرام ، وبين إشتياقى وصدّها ) وغيرها ، وكتب عتيق قصيدة خلّد بها المدينة الساحلية الساحرة يقول فيها :

ولم ينس ملكاته فى الوصف والغزل وذكر الحسان من فتيات المدينة ،ولحسن الطالع فازت إحدى بنات الأسر المعروفة ببورتسودان بقصيدته التى سارت بذكرها الركبان – وكانت القصة المصادفة أن عتيق حضر كعادته ذات صباح لحديقة بلدية بورتسودان التى تعود زيارتها  حتى تتشبّع بها نفسه وتدنيه  حسياً ومعنوياً من مرأى الخضرة والزهور والأشجار الظليلة التى ما بارحت خياله منذ أن انتقل من جوار نيل العاصمة ، وتصادف أن جاءت الفتاة  للنزهة بالحديقة التى كانت ملاذاً ترفيهياً جميلاً لمواطنى المدينة يحيط بها عدد من أبناء وبنات أسرتها ، وبدات الفتاة مراسم حضور طاغى على المكان والزمان يزينها بهاء وجمال متفرد لم تخطئه عين الشاعر الحصيفة .. لم يتمالك نفسه من الإعجاب الشفيف ، وبالطبع لم تكن هناك أيامها (وسائط) تواصل بين الشعراء وأحبائهم سوى الطيور والنسائم .. فوجد شاعرنا  نفسه يهمس فى دواخله ببداية قصيدة – وكانت .. أرجوك يا نسيم روح ليهو – لحنها كروان السودان كرومة وغناها أولاد الموردة ، وفيما بعد أبدع فى ترديدها عدد من الفنانين منهم الفنان محمد ميرغنى وكمال ترباس وآخرين :

——-

أرجوك يا نسيم روح ليهو
بي أشواقي .. صرّح ليهو
وأذكر صبوتي وسهادى
…..
روح يا نســيم قــول ليهـو
مَثّـل شخصي وأشرح ليهو
إخلاصي وشعوري إليهـو
والأغرب كمان قول ليهو
مع شغفي وميولي عليهـو
في تعذيبي برتاح ليهـو
بذكر حُسنو في إنشادى
فأعجب مني شاعر وشادي
……
باللفظ الجميل آتيهـو
بيَّن حالي وإستفتيهو
لو يصحى ويفيق من تيهو
يتعطف يلين عاتيـهو
يشـفي جراحي
وألقى صراحي
ويكـون راحي
في رؤية خديدو النادى
وقوامه الرشيق متهادى
……
هو حـبيبي هو طبيبي
هو سميري هو أميري
حسن الكون تجسّم فيهو
يزدرى بالقمر لصفيهو
ما دام كل عيب نافيهو
أوصاف شعري كيف توفيهو
ده الساكن ظلال في فؤادي
وإختار في الهوى إستعبادي





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.