Monday, 17/12/2018 | 9:36 UTC+3
صحيفة أصداف

قصة أغنية

بقلم : هاشم بابكر

خليل اسماعيل .. يوم رحيلك يالهبيّب

فى عام 2007م رحل الفنان الضجة خليل اسماعيل وترك فى نفوس سامعيه ومحبيه غصة فى حلق الأغنية الأغنيّـة وبعض ذكريات تطوف بالمخيلة الموجوعة  ..
وكانت مدينة الأبيض العامرة قد أطلقته كالنيزك فى سماء الفن الجميل ضمن ما وهبته من مبدعين عباقرة كأمثال الشعراء محمد عوض الكريم القرشى ومحمد المكي ابراهيم ومحمد مريخة فنشا فيها خليل اسماعيل منذ مولده فى عام 1943م وحين كبر تلمّس صوته وأنس فى نفسه الرغبة فى الغناء عندما تفتحت أذنه على شجو أغاني حقيبة الفن وعبقرية معانيها وعذوبة وتنوع الحانها فردد روائعها قبل ان ينتقل الى أمدرمان ليسجل فى الإذاعة أول أغنياته الخاصة به لحناً وأداء وكانت أغنية (الأماني العذبة) باكورة انتاجه الفني التى لاقت قبولاً ورواجاً كبيرين ، ثم توالت أغنياته الأخرى لتصل الى عدد 55 أغنية منها (جبل مرّة ، فى مسيرِك يا الهبيّب سلّمي لى على الحبيّب ..المهم تلقيهو طيب ، والأغنية الخفيفة (قبّال ميعادنا بى ساعتين أبيتو أنا وأباني البيت ..أغالت نفسي فى إصرار وأقول يمكن أنا الما جيت) ورائعته (بسحروك) والاغنية ذات المضامين الشعبية (يوم بيوم نبيع الكُمبا)  كما كان خليل اسماعيل عنصراً من ضمن العناصر التى شاركت فى الأداء الأوبرالي العظيم لملحمة الفنان محمد الأمين عن ثورة أكتوبر 1964م التى صاغها شعراً الأستاذ هاشم صديق وقام بتوزيعها موسيقياً الأستاذ أنس العاقب والملحن  وعازف البيكلو موسى محمد ابراهيم .
والفنان خليل اسماعيل ينتمي مرحلياً الى جيل الستينيات التى شهدت فترة إزدهار الأغنية السودانية الحديثة كما يقول موقع ويكيبيديا، وتعاون مع عدد كبير من الشعراء منهم محمد على ابو قطاطي وغيره .ولكن خليل اسماعيل على المستوي الإجتماعي كان عالي النبرة ، محبوباً ضاحك السن يجئ بقامته الممدودة وينثر دعاباته وسخرياته وقفشاته على الجميع فيضحكون رقرق بلّورهم -على قول شاعرنا صلاح احمد ابراهيم ، وفي رحلات زملائه الفنانين ومجالس أنسهم كانوا يعهدون اليه بالغناء لهم حتى سار عليه لقب (فنان الفنانين) .
تعرضنا لمختصر عن سيرته الى أن جاء اليوم الذي لبى فيه نداء ربه عن عمر ناهز الرابعة والستين إثر فشل كلوي أصابه ـ ومعلوم عند علماء النقد الأدبي ان الرثاء هو أصدق فن الشعر لما يحويه عادة من عاطفة صادقة وحرارة فى القول والتعبير .

يحكي الشاعر محمد خير الشامي إنه كان من خلصاء الفنان الراحل والمعجبين بسيرته وسريرته ، وفى يوم وأنا بشارع الجمهورية استوقفني أحد المعارف وقال لى : أظنطك ماشي المقابر ؟ إنخلع قلبي وبادرته: المقابر؟ فى شنو؟ قال لى ما سمعت بالخبر ؟ خليل اسماعيل اتوفى .
لحظتها دارت بى الدنيا للحظات استفقت بعدها من صدمة النباً على قاعدة الموت حق وسيف مُصلت على رؤوس كل العباد ورددت فى قرارة نفسى عفو الخاطر بمطلع قصيدة قلت فيها:
بتقولوا لىْ فارق خليل ؟!
البلبل الغرِد الجميل ؟
هو في كم خليل لو كل يوم
نفقد خليل ؟
وبعدها توجهت مسرعاً لدار الإذاعة أستعين على خلجات النفس الكظيمة بإصطحاب بعض الزملاء ، ولما وصلنا كانت القصيدة قد إكتملت بهذا النص :
——–
بتقولوا لىْ فارق خليل ؟!
البلبل الغرِد الجميل ؟
هو في كم خليل لو كل يوم
نفقد خليل ؟
……
أمس العِصير أتحفني بى حلو الغنا
سدّ الأفق بى طلّتــو
كان وشّـو عامر بالسـنا
يضحك يصحّي العندليب
يسكت تنوم الدندنــة
غنّينا ما خلينا شي
والرادي همـزة وصلنا
العود عزف لحن الخلود
أوتارو مست حِسّـنا
تلري القدر واقف قريب
قاصد يفرّق شملنا
بتقولوا لىْ فارق خليل ؟؟
بى صِحّكم فارق خليل ؟؟
يا زول يا ظريف
يا روح يا شفيف
معقولة تمشي برا خبر ؟
نصحَى الصباح ما نلقى ليك
ساكت أتــر ؟
إلا الغناوى الجمّلت دنيا البشر ؟
وهي زاتها ناحت بى وراك
واتسلّفت لى عينها دمعة
من البحــر ..
……
إتوسدت صخرة وجبل
إتكبـّدت غـربة وسـفـر
يا (مرّة) كم مرّة انتحر طيرك
وكـِت سِمـع الخــبر ؟
……
بالجــد فقـدناك يا الخــليـل
فى (شرْفي) شرّف موكبك
مـا فينـا غايبــاً ما حضـــر
عـدد الخلـوق الودّعـــوك
حـد ما وقف مـد البصـــر
شفت الوزير شفت المدير
فاجأني جـد شيخ الغفــــر
فى جملتُن واسـوني فيك
ديل قـالدوني نفــر نفــر
سألتهم بى صحّكم فارق خليل ؟
ورجعت صــاد زى الغريب
سايقاني فى سيرة (الهبيّب)
محــزون مسـكّت بالأســـى
يا خِلّي أبقالىْ قِـريّب
يا ريتو ماروّح بعيد
يا ريتو ما رحل الحبيّب
صدقني فقدك يا الخليل
مِن غيرو شعر الراس يشيّب
……
يا (كُمبا) كالت من رمأد
مين الببيعِك ويشتريك ؟
ما اظن يغنّيك بعدو زول
وحدو البجيبِك ويحتفيك
الليلة يا كُمبا الخليل
فات البحبك ويصطفيك
وبى صِحّكم فارق خليل؟
وهو في كم خليل
عشان كل يوم نفقد خليل؟
هو في كم خليل ؟
هو في كم خليل ؟





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.