Wednesday, 21/11/2018 | 9:33 UTC+3
صحيفة أصداف

لتصاعد الخدمات المقدمة : ميناء بور تسودان يستقبل العديد من الخطوط الملاحية العالمية

الكاتب : عبد المنعم جعفر

 

     

 

قيمة عظيمة تبدت عبر ظاهرة – هي بسيطة في معالمها ولكنها ذات فائدة كبيرة علي الوطن – خاصة في ظل صناعة متشابكة سريعة الخطي تستوجب حق التصالح ومن ثم المواكبة وتعزيز القدرات .

       ويتبين أهمية الأمر – بأن معيار الاهتمام بهذه الصناعة لا زال في بواكيره الأولي – رغم أن محصلتها تؤمن النمو المستدام الذي ينداح في كل المتطلبات والمنطلقات التي تحقق التطور والنماء – إذ تم توظيفها بصورة مثلي وأعطت المكانة التي تستحقها وأفرد لها مساحات الرعاية الواسعة التي تهئ لمزيد من الأدوار التي تعظم من شأنها وتعلي من ناتجها .

       وتبرز قيمة هذه الصناعة الهامة في وطننا الحبيب – إذ عبرها يمكن ( دفق الدماء) في شريان الاقتصاد – إذ أنها تهئ لمقاصد اللوجستيات وسلسلة إدارة التوريد – كمسلمات – حديثة فرضت جدواها في مفاصل المتغيرات التي عمت التجارة الدولية – وأمسكت بزمام النشاط الإنتاجي – وأصبحت الدول المتقدمة في هذه الصناعة – متطورة اقتصاديا وسياسياً واجتماعيا وثقافياً .

       فطبيعة نشاط هذه الصناعة المؤثرة لا حدود له – إذ يتوغل في كل المحاور – باعتبارها بوتقة – تمارس خلالها أنشطة مباشرة وأنشطة غير مباشرة – وتغذي كل المفاصل وتستقطب ( أنشطة جديدة كل يوم ) تحدث التحسن في اقتصاديات الدول – إذ أن عائدها ينعش الإنماء وخدماتها تكمل النشاط الإنتاجي ودورها يلي متطلبات الحوجة ( للأمن الغذائي) و ( التنمية الاجتماعية ) وحركتها تسهم في ميزان المدفوعات – لذا نجدها صناعة شديدة التنافس علي نطاق العالم .

       وشهدت صناعة النقل البحري في العالم نمواً مذهلاً فاق كل التوقعات والمؤثرات والمعايير والمقاييس – إذ أنه ومنذ الثورة الصناعية في القرن (19) وحتي السبعينات من القرن الماضي – شهدت هذه الصناعة تطورات متلاحقة – أمنت اقتصاديات الحجم وسرعة الإجراء وقلة التكلفة والتكنولوجيا الحديثة وتوافر عناصر السلامة – ومثال لذلك – وباعتبار أن السفينة هي المحور الرئيسي الذي يدور عليه نشاط قطاع النقل البحري – نجد أن هناك أكثر من (33) نوع من السفن أبرزها سفن الحاويات – والتي هي في ذاتها شهدت أنماط حديثة ذات تكنولوجيا عالية وحمولات مذهلة .

       وهنا في السودان ورغم إدراكنا وتعاملنا مع صناعة النقل البحري منذ فترة طويلة – وامتلاكنا لكافة مقومات هذه الصناعة – مثل الموانئ والأسطول الوطني والسلطة المينائية والخبرات والكفاءات والقوانين – إلا أن الاهتمام لم يجد حظه كاملاً – رغم حوجة وطننا الماسة لهذه الصناعة – والتي يمكن أن تشكل خارطة الاقتصاد الوطني من جديد وتبعث فيه روح المستقبل المشرق – خاصة أننا نتميز بمزايا مثلي – مثل الموقع المتميز والظهير الممتد والعمق للدول المغلقة والآمن والاستيفاء بالمتطلبات الدولية وتوافر الخبرات المشهود لها بالكفاءة .

       وصحيح أن صناعة النقل البحري لم تجد حظها بشكل معروف – نظراً لعدم تبيان أهميتها وعدم إدراك فائدتها – إذ أنها صناعة تتطلب رأسمال كثيف وتستدعي التكيف مع المناخ العالمي والاستجابة لكل الاشتراطات – لأنها صناعة عالمية – والتغريد خارج السرب لا موقع له – سوي العزلة ومن ثم الأكل في السنام واجترار الأيام الخوالي .

       ورغم الجهد الواضح من كل الجهات العاملة في صناعة النقل البحري – وخاصة هيئة الموانئ البحرية – إلا أنها محاولات مثل قطرات المياه علي الصخر – تستوجب انتظار عامل الزمن – خاصة أن هذه الصناعة تسابق الزمن – فتصبح المعادلة غير منطقية وغير مواكبة ولا تفضي لشئ سوي مزيد من الانغلاق – إذ أنها صناعة تستدعي الدعم السياسي وتطلب الأولوية في ترتيبات الدولة والحق في الصرف عليها من الموازنة وتفعيل الاستثمار في محيطها .

       وحقاً – أن الجهود مثابرة وطموحة من قبل كل الجهات ذات الصلة بقطاع النقل البحري – إذ شهدت هيئة الموانئ البحرية توسعاً وتطوراً وانفتاحا عالمياً – وشهدت الخطوط البحرية – صياغة جديدة – سعي جاد لاستفادة وتحديث الأسطول الوطني عبر شركة سنجيب الجديدة – وشهدت التوكيلات البحرية نشاطاً مكثفاً ومواكباً لحجم العمل بمحاور التجارة العابرة والمسافنة و( الفور ويرد) وتم أجازة القانون البحري السوداني والتصديق علي عدد من الاتفاقيات والبرتوكولات المهمة وتم مراعاة متطلبات المدونة الدولية لأمن السفن والمرافق المينائية في الموانئ وتم استعادة السلطات للإدارة الفنية للرقابة البحرية وتم أقامة العديد من ورش العمل والسمنارات وتم الاهتمام بجانب البيئة البحرية ومياه الصابورة والتلوث ومراعاة البعد البيئي في المشروعات وتم أقامة كلية متخصصة لعلوم البحار وقسم للنقل البحري وشهدت الجهات الرقابية المكملة لعمل الموانئ وتسهيل التجارة تطوراً مشهوداً بتقنيات عالية وتم الاشتراك في المنظمات العالمية والإقليمية المعنية بصناعة النقل البحري وتم تنظيم ورشة عمل عن صناعة النقل البحري في السودان بالمجلس الوطني أعلي جهة تشريعية في السودان وتم الاحتفال بيوم البحار العالمي ويوم الجمارك العالمي وقيام منظمات المجتمع المدني التي تعني بصناعة النقل البحري وتم تنظيم ورشة عمل عن القرصنة البحرية – كما صدرت العديد من الكتب المتخصصة بأقلام سودانية عن صناعة النقل البحري ومحاورها .

       إذا فأن هناك أرضية خصبة لقيام صناعة نقل بحري فاعلة في السودان تكون داعمة للنمو الاقتصادي – وهذا يتطلب قرار سياسي بوجوب قيام وزارة لصناعة النقل البحري أو وزير دولة متخصص أو إدارة عامة معنية بصناعة النقل البحري في وزارة النقل أو وزارة رئاسة مجلس الوزراء .. خاصة أن هناك اتفاقيات ملزمة بالتنفيذ.

       وأسترعي انتباهي – ونحن المهتمين بصناعة النقل البحري – أن شهر يناير من العام المنصرم شهد أربعة أحداث مهمة تلي مباشرة دعم صناعة النقل البحري – إذ تم توقيع عقد خاص بين هيئة الموانئ البحرية وشركة الهدف للخدمات المحدودة لتركيب كاميرات مراقبة بميناء الخير كمرحلة أولي – مما يعد تلبية لاشتراطات المدونة الدولية لأمن السفن والمرافق المينائية – والحدث الثاني توقيع عقد بين هيئة الموانئ البحرية وشركة دامن الهولندية لاستجلاب وشراء حوض عائم مما يعد قفزة هائلة في البنيات الأساسية لصناعة النقل – والحدث الثالث هو رفع العلم الوطني علي ظهر الباخرة ( دهب) التابعة لشركة الخطوط البحرية السودانية مما يعد جهد مميز من شركة الخطوط البحرية السودانية لاستعادة سيرتها الأولي – والحدث الرابع هو أيضاً رفع العلم السوداني علي ظهر الباخرة ( تميم) بعد أن آلت ملكيتها لرجل الأعمال السوداني ( تميم الدار عبد الله المكاشفي) – مما يعد فجراً جديداً واقتحام مباشر من قبل رجال الأعمال لصناعة السفن – وتزامن مع كل هذه الأحداث الهامة – هو تفعيل الإدارة الفنية للرقابة البحرية بهيئة الموانئ البحرية بقيادة الكابتن ( عمر ساتي ) مدير الإدارة والذي يعتبر من الخبراء في مجال صناعة النقل البحري – باستخراج شهادة التسجيل والصلاحية .

       وكل هذه الأشراقات التي حدثت في شهر ينايرمن العام  الماضي – والذي يعتبر شهر صناعة النقل البحري في السودان – سوف تحدث تأثيراً مباشراً في توسيع دائرة الاهتمام بصناعة النقل البحري وتطويرها ومن ثم الاهتمام بمكوناتها خاصة أن ميناء بورتسودان أصبح مهيأ وجاذباً .

       ومن الإيجابيات التي أضاءت صناعة النقل في السودان تنظيم ورشة عمل التثبت من أوزان الحاويات من قبل المنظمة البحرية العالمية واتحاد باميسا  – وستكون محصلة هذه الورشة إضافة هامة ونقطة تحول في صناعة النقل البحري السوداني .

       ولا بد أن نحي دور القطاع الخاص المعني بصناعة النقل البحري في السودان لتعامله مع المعطيات واستدامته في مواجهة المنافسة الحادة وحرصه علي استقطاب عملات حرة للوطن رغم دخول أيادي أجنبية في عمله – ونشيد بغرفة التوكيلات الملاحية والتوكيلات البحرية واتحاد وكلاء التخليص وجمعيات الشحن والتفريغ وكل العاملين والمهتمين بصناعة النقل البحري .

      وتزامن مع ذلك وجود مؤشرات إيجابية تبين أن هناك إقبال متزايد من قبل الخطوط الملاحية المنتظمة لميناء بورتسودان خاصة بعد رفع الحصار الاقتصادي عن السودان – حيث استقبلت ميناء بورتسودان خلال الفترة من بداية العام الحالي وحتى الآن كميات كبيرة من السفن وذلك مقارنة بنفس الفترة من العام المنصرم – كما أسترعي الانتباه أن أغلب السفن من سفن الخطوط المنتظمة ومن سفن الـ (Mather Ships) وليست السفن الرافدية – وتزامن مع ذلك رغبة العديد من الخطوط الملاحية العالمية في معاودة نشاطها الملاحي لميناء بورتسودان – وباشرت عدد من الخطوط الملاحية نشاطها بالفعل وتم استقبال بواخرها – وأعلن الخط الأمريكي العالمي الملاحي (P.A.L) عن رغبته للعمل بميناء بورتسودان بعد مقاطعة استمرت (20) عاماً – والآن وصلت لمحطة الحاويات بالميناء الجنوبي الحاويات الخاصة به وهي تعمل في عمليات تستيف الصادر وستصل أول باخرة له في مطلع شهر مايو القادم .

      ويأتي كل ذلك – وسبق وأن أشاد الخط الملاحي العالمي ( ميرسك لاين ) وعبر مديره لإقليم شرق أفريقيا بالخدمات والتسهيلات المتميزة بميناء بورتسودان – مما يوضح أن هناك تطور متصاعد في أداء الموانئ خاصة أذا ما تم رصد مقياس دورة بقاء الباخرة وزمن أستغلال الرصيف وعمليات المناولة في الوردية الواحدة – فكل هذه المؤشرات والمعايير تبين رغبة الخطوط الملاحية العالمية في استعادة نشاطها بميناء بورتسودان – يعني أن الميناء حقق لنفسه سمعة طيبة من خلال الخدمات التي يقدمها – وأنه أصبح مهيأ تماماً لاستيعاب كل أنماط البضائع والحاويات وأضحي جاذباً لتجارة الترانزيت والمسافنة – ويتزامن مع ذلك سعي هيئة الموانئ البحرية للاستعداد المبكر لمتطلبات التدقيق الإجباري البحري والذي تحتم بنوده حتمية التوافق مع الموجهات الدولية البحرية والتي تعني في محصلتها البقاء في القائمة البيضاء أو الدخول في القائمة السوداء وهذا يعني سمعة سالبة ومن ثم تأثير مباشر في حركة التجارة الخارجية – ولعل ورشة عمل تطبيق نظام الوزن المؤكد للحاويات والتي نظمت بتاريخ 28/3/2017م الماضي من قبل المنظمة البحرية العالمية وبمشاركة إتحاد موانئ شرق وجنوب إفريقيا ( باميسا) وتنفيذ من هيئة الموانئ البحرية يبين أهمية الدور المتنامي لهيئة الموانئ البحرية في خدمة صناعة النقل البحري في السودان – خاصة أن الورشة آتت ككسب للسودان بعد المحصلة الإيجابية لانعقاد مؤتمر باميسا الذي نظمته هيئة الموانئ البحرية في شهر نوفمبر من العام المنصرم بالتعاون مع اتحاد موانئ شرق وجنوب إفريقيا والذي أستهدف التطرق لمكامن ومقومات الاقتصاد الأزرق وأهميته في تجسيد التنمية المستدامة والاستفادة الموظفة من الموارد المتاحة – وناقشت ورشة عمل تطبيق نظام الوزن المؤكد للحاويات والتي شارك مختصون من جميع الجهات ذات الصلة وخاصة أسرة مجتمع الموانئ – تنفيذ متطلبات الفصل السادس الجزء (أ) من اللائحة رقم (2) المتعلقة بوزن الحاوية المؤكد في الاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحار لعام 1974م وتعديلاتها – وقد جاءت الورشة متكاملة وحققت الجدوى من قيامها – وسبق وأن حظيت هيئة الموانئ البحرية بزيارة من خبراء المنظمة البحرية العالمية في أواخر العام المنصرم كأول بادرة تعاون فعلية مع المنظمة البحرية العالمية طلباً لتقييم وضع صناعة النقل البحري في السودان وتحديد الاحتياجات والمساعدات الفنية المطلوبة – وتم تنظيم ورشة لذلك تم فيها تحديد أشكال المتطلبات التي تلي صناعة النقل البحري في السودان – وقبلها نظمت هيئة الموانئ البحرية مؤتمر باميسا بمشاركة فعلية من إتحاد موانئ شرق وجنوب إفريقيا ( باميسا) كأول مؤتمر نوعي تخصصي ينظمه إتحاد باميسا – حيث كانت الاجتماعات الخاصة بالإتحاد تبحث مسارات التنفيذ والخطط القادمة – أما مؤتمر باميسا والذي نظم في بورتسودان فقد كان مؤتمراً جامعاً – أحدث تحولاً في حراك اتحاد باميسا وتم الإشادة به من قبل جميع المشاركون خاصة أنه كان تظاهرة عالمية بارزة .

      وتلاحظ أن مؤشرات التشغيل في ميناء بورتسودان ظلت تسجل تصاعداً مستمراً ومتطوراً – حيث مرت فترة الصيف للعام المنصرم دون حدوث أي إشكاليات بخلاف الأعوام الماضية التي كانت تكثر فيها شكاوي العملاء – كما يتبين أن هناك وفرة في الآليات والكرينات والمعدات والطاقة الكهربائية خاصة أن هناك اتجاه لاستجلاب كرينات وآليات مع تنفيذ مشاريع تأهيل وصيانة بالتعاون مع الشركة الصينية .

      ولعل إشادة الخط الملاحي العالمي ( ميرسك لاين ) بالأداء في ميناء بورتسودان توضح ذلك – كما أن الربع الأول من هذا العام شهد نشاط مكثف في توالي وصول البواخر والتي استقبلت بكفاءة عالية وفي زمن محدد – كما تلاحظ تنامي تجارة الترانزيت من قبل دولة أثيوبيا وتوجه دولة تشاد بإنشاء مكتب يختص بحركة تجارتها الخارجية ببورتسودان – ولتكن ميناء بورتسودان رئة للاقتصاد الوطني  – ولابد للدولة أن تمكن الموانئ من تحقيق رؤيتها ورسالتها .





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.