Saturday, 17/11/2018 | 2:48 UTC+3
صحيفة أصداف

ماذا كتب الشاعر مصطفى سند عن حسين بازرعة .. نجم المساء المترفع


كتب : هاشم بابكر

الشاعر الكبير المترف بالمفردة الأنيقة  وعذب النثر المغموس فى ضياء المعانى الوضيئة –  مصطفى سند  كان من الذين زيّنت بهم مدينة الثغر جيدها عبر الزمن عندما جاءت بهم ظروف الحياة  للمدينة إما منقولين لعمل حكومى  أو باحثين عن فرصة حرة جديدة لكسب العيش ، ومنهم شاعرنا مصطفى سند الذين كان ملحقاً بمصلحة البريد والبرق بوستة بورتسودان ، إندمج فى مجتمع المدينة الأليف ، السريع الترحيب بالوافدين بشفافية مريحة وتحنان غريب كعادة المدن التى ترقد على الشواطئ وتفتح رئتيها لهواء السواحل ، سكن حى الشاطئ  وتزوج من إحدى حسانه وكتب العديد من قصائده مستلهماً جماليات المدينة حين إستنشق هواءها الرطب ودوزن بعض أشعاره على أفق  (البحر القديم) الممتد  الطويل وصدى إصطفاق موجه الأزرق على الساحل الصخرى  .
حكى سند عن تجربة محاولته الولوج إلى عالم حسين بازرعة حين قدومه لبورتسودان فقال :

هو الشاعر المترفع المتباعد المتنائى عنا وعن مجتمع الوافدين الى مدينة الثغر . فى أواخر الخمسينيات على التحديد كان هو نجماً رفيع التألق من نجوم الشعر والأدب ،وشعر الغناء على وجه الخصوص .. كان معْلماً من معالم مدينة البحر لا يأتيها زائر إلا تشوّق لرؤيته وسعى إليه فى مكتبه الأنيق بشركة مناجم الذهب الخاصة به وبأسرته ،أو فى مجتمعه الضيق جداَ بنادى حى العرب حيث كان سكرتيراً له ..وصديقه الفنان عثمان حسين يشدو فيذيب القلوب الشابة ويحرق الصدور المكتهلة ويوقد فى حنايا وأعماق المكروبين بالعشق والصبابة ناراً تتضرّم .

يا رؤى البحر أشهدى .. هاهنا كان موعدى .. وهنا كان مقعدى ..و(أنا والنجم والمسا) وأخواتها النضرات المترعات بنداوة وبكارة الإفتراع المدهش للكلمات ..والنقلات .. والألحان المهموسة الدافئة .
وفى الأسواق والمكتبات وبين أيادى المنبهرين وأصدقاء الشعر كانت تركض ( غابة الأبنوس) كإصدارة جديدة مدهشة لشاعر التحديث والأصالة صلاح أحمد أبراهيم –وكان يتردد على بورتسودان لصداقة جمعته مع محمد صلاح الدين الكابلى ومنها إكتسب مودة مع المنطقة سجلها وضمنها بعض قصائد الديوان …

ونسعى لكى نلتقى به ..حسين بازرعة ..نحدثه عن أشعاره وأغانيه ونستشف رأيه عن محتوى غابة الأبنوس قيأبى ويتناءى ويغمض عنّا أجفان إهتمامه ..

ولا نيأس ، نبحث عنه فى أروقة الظلال ،وغموض أنفاس السّحَـر المتلاشية عند خليج أونقياى فلا نعثر له على أثر .

أستاذنا ومعلّمنا محجوب باشرى ينصحنا بأن نكف عن محاولة لقائه فهو فى نظر نفسه أكبر من واعدين وافدين إلى ساحة المدينة عبر وظائف ليست ذات جدوى أو قيمة أو أثـر .. هو بين عِـزّه وأهله وجاهه وجماهيره وكتبه ونرجسيته .. ونحن محروقون من أنفاس صهد ولهب شهر يوليو القاسى نبحث عن كوب من التمـر هندى فى مقهى سواكن نرطّب به نهار وُلد ليبقى بكل جبروته وقسوته .

محد عثمان كجراى إبن شرقه أخفق فى إيصالنا إليه ، أبو آمنة صديق شعره وأحد أعمدة الإبداع فى منطقة البحر الأحمر يفشل فى ربطنا به ..

 كمال محجوب – رحمه الله تلميذه وراوية شعره لا يريد أن يُقحم نفسه فى مغامره غير مأمونة العواقب فلا يكلف نفسه بأن يحدّثه عنا وعن أشواقنا للجلوس فى حضرته ..وكمال محجوب هو الذى قدّم للمبدع السنى الضوى الذى تربطه هو أيضاً ببورتسودان علاقة ممتدة – أغنيتين الأولى بعنوان ( يا نهر الريد الصافى ) والثانية بعنوان ( فى ضميرك سر كتمتو ) وانتهى به المطاف إلى حالة إغتراب نفسى إلى أن رحل فى التسعينات من هذه الفانية .

وتمضى ألأيام ويطير بازرعة ..يعبر البحر ويعشّش هناك فى قلعة من قلاه المال والجاه ويتخيّر له فرعاً ناعماَ على سنديانة الأسى المترف ويبدأ فى إرسال شدوه الحزين وغنائه الأسيان وعتابه الغارق فى دموع الرجاءات والتوسلات .. فتتفجّـر حنجرة عثمان حسين الذهبية وألحانه العبقرية المدهشه التى تعدّت حاجز الزمن وتعلّقت بأسباب الخلود تغنىّ الشعر المكتوب بكلمات من نار  وتنفتح المسافات عن جرح الكبرياء النازف ، ويصبح الشعر تعقيداً يأبى أن ينعتق من إسار الصمت رغم فصاحته وقدرته على الإبانة.. يتمسك بأمل المحبين فى غير يأس :

لا وحبك ..لن تكون أبداً نهاية
 إنت عارف نظرتك كانت بداية
 وما بتغيّر حبنا السامى وشاية

ويصر بازرعة على فسحة الأمل فى مناشداته لعموم المحبين فى روشتات باهرة :
أصبر خليهو للزمن .. يمكن يحس ضميرو ويهديهو للصواب ..
أغفر لو يا حنيّن ..وسامحو  لو ظلم .. ما أصلها الأيام مظالم .. والعمر غمضة ثوان

وينبهر مجتمع الفن بهذه الأغاريد فيقول سيد أحمد الحردلو معرّضاً نفسه لغضبة الشاعر اسماعيل حسن الذى كان يصول ويجول فى الساحة الغنائية عبر الصاروخ الفنى وقتذاك محمد وردى .. قال الحردلو : بازرعة هو أشعر من كتب القصيدة الغنائية بعد شعراء الحقيبة ..

ويقول أبو آمنة حامد : من هذه الرّقة ، ومن هذا الشموخ تنسج ملائكة الشعر شاعرية حسين بازرعة المتفردة العبقرية ..

ويقول كجراى : بازرعة قمة شاهقة فى الشعر سواء أكان ذلك الشعر بالعامية أو عربياً فصيحاً ، ونقرأ مخطوطة ديوانه (البراعم) ونندهش ..هذا شعر طازج حـار تتعلّق به أنفاس الرومانسية كما تتعلّق رؤى البحر بشهادة النوارس الحالمة على (مقعد مهجور) وموعد منسى ،وذكرى حبيب قاس صعب المراس ..ثم نتلفت حولنا نسترجع ونتذكر.

ومن أسرار القصائد نكتشف أن المطرب الصديق صالح الضى الذى كان مقيماً ببورتسودان فى تلك الفترة كان قد حصل على قصيدة لبازرعة بعنوان (وطنى)  فلحنها وغناها .. ويفرح كثيراً بذلك الكنز الشعرى الذى فجّره الرضا والحظ السعيد بين يدى حنجرته العميقة الصافية ..  يا للهول ! يغنى قصيدة لبازرعة ! ما هذا التوفيق العجيب !  ولكن بازرعة ينتزع (وطنى) من صالح الضى ويضعها بين يدى كاتم أسراره وتوأمه المدهش عثمان حسين الذى كتب لها ميلاداً لحنياً جديداً وكانت الرائعة (حبى)  :

عشقتك وقالوا لى عشقك حرام ..
يا مجدد نور عيونى ..يا مبدد نار شجونى
ليتهم عرفوا المحبة .. وعرفوا أسرار الغرام
حبى نابع من بلادى .. من جمالها وإنطلاقها
أودعت حُسن حبيبى .. من صباها كل باقة
من صفا الطيبة .. والكلمة الحبيبة .. والطلاقة
يا عوازل كيف تكون الدنيا ..لو عزّ  الغرام





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.