Wednesday, 21/11/2018 | 10:44 UTC+3
صحيفة أصداف

ملفات من الذكرى 73 لإنتهاء الحرب العالمية الثانية ذئاب في البحر

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وتوقيع استسلام المانيا النازية يوم 8 مايو 1945م جرت محاكمات لكبار قادة هتلر وبعض العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم حرب مختلفة ،ومن بين المحاكمات التى كان مسرحها مدينة نورمبرج قرب برلين العاصمة تقف محاكمة (القـرائد ادميرال) كارل دوينتز قائد سلاح البحرية النازى موقفا فريدا من حيث أسبابها ونتائجها ..ففي الوقت الذي حوكم فيه قادة ألمانيا محاكمات سياسية لا ريب فيها باعتبار انهم اشتركوا مع هتلر بدرجات متفاوتة في تخطيط السياسة العدوانية العليا , فان دوينتز الذي كان عسكرى أو رجل حرب فقط كان بريئا من هذه التهمة كل البراءة .. بل أنه كان هو الذي قرر- حين خلف هتلر في رياسة الدولة بعد انتحاره يوم 30 ابريل 1945م أن يجنب ألمانيا والحلفاء فظاعة حرب المقاومة ,بعد أن نجح غزو الحلفاء لألمانيا .. بينما كان في استطاعته وقتها أن يَخضع لضغط الضباط المتحمسين ويصدر أوامره بمقاومة تقدم الحلفاء مكبدا إياهم أثمانا فادحة من الرجال والعتاد لكل شبر يحتلونه. وكانت التهمة التي لفقها الحلفاء له – هي أنه أصدر أوامره بصفته قائدا للأسطول الألماني إلى قادة الغواصات بإطلاق النار على البحارة الناجين من السفن الغارقة ، وكانت مفاجأة سيئة لهيئة الاتهام حين فوجئت برسالة علنية موقعة من كافة قادة الغواصات يقولون فيها أنهم يشهدون – تحت القسم – بأن دوينتز لم يصدر أمرا كهذا قط ، سواء بالقول أم بالكتابة !  ومع ذلك وبالرغم من أن هيئة الاتهام لم تستطيع أن تعثر بين وثائق الأدميرالية على مثل هذا الأمر ، أو حتى على ما يدل عليه  فان المحكمة قضت  بسجنه (10) سنوات . وقد أجمع المعلقون على هذا الحكم بأنه كان ظلما مطلقا، وأن حيثياته كانت كلها مفتعلة ! وإذن فقد كان هناك سر وراء هذه المحاكمة .. سر بذل  الحلفاء – والانجليز بالذات – جهدهم لإخفائه . على انه مع ذلك كان سرا مفضوحا ، لأنه كان لا يعدو مجرد الرغبة في الانتقام من هذا المحارب الماهر الذي استطاع أن يمرغ انف بريطانيا العظمي وحلفائها في الرغام ، وان يكبدهم أفدح ما لاقوه من خسائر طيلة الحرب .. فقد كان الأدميرال دوينتز هو الذي ابتكر (تكتيكات) قطيع الذئاب للغواصات .. وكانت تلك التكتيكات ابتكاراً عبقريا جهنميا استطاعت به الغواصات ان تغرق ألاف البواخر التجارية المسلحة للحلفاء مدمرة بذلك خطوط الحياة التي كانت تنهال من الولايات المتحدة كمساعدات لانجلترا ، ومحطمة بذلك ميزانية الإمبراطورية لحد كبير ٍ  وبينما كان التكتيك الرئيسي للغواصات الالمانيه في الحرب العالمية الأولى هو العمل منفردة ضد الأهداف الطارئة ، فان تكتيك (قطيع الذئاب ) كان يتلخص في ثلاث خطوات: الأولى:  أن تترصد الغواصات السفن القادمة علي طول الطريق البحري من أمريكا إلي إنجلترا ، وعندما تلمح أحداها قافلة سفن فأنها لا تهاجمها بل تبلغ ذلك فوراً إلي قيادة الغواصات باللاسلكي ثم تتابع القافلة من بعيد و موالاة أخطار القيادة عن خط السير وعدد السفن , وحمولاتها والقوة الحارسة لها . الثانية : أن تتولي قيادة الغواصات العمل مباشرة  فتأمر سائر الغواصات بالتجمع عند نقطة معينة علي طريق القافلة . الثالثة : تبدأ عند وصول القافلة إلي نقطة محددة وعندئذ كانت قيادة الغواصات – وفي اغلب الظروف كان دوينتز بنفسه – كانت القيادة تتولي إدارة العملية بأكملها فتصدر الأمر لبعض الغواصات بمهاجمة احد جوانب القافلة , وبعد أن يحقق الهجوم بعض الخسائر , ويجذب القوة الحارسة من بارجات الحلفاء الحربية كلها إلي هذا الجانب ..كانت القيادة تأمر غواصات أخري بمهاجمة الجانب الخالي , وهنا كانت تبدأ المذبحة الحقيقية ..إذ تروح هذه الغواصات تمعن في جوانب القافلة المكشوفة ضربا بالطوربيد وتروح تلك البواخر بما عليها من حمولات الأسلحة والذخيرة والتموين تهوي إلي أعماق المحيط الواحد بعد الأخرى . هذا في الوقت الذي تختص فيه بعض الغواصات بمهاجمة القوة الحارسة للسفن التجارية  –وهي مشغولة بمهاجمة غواصات الهجوم الأول – من الخلف فتقع هذه القوة بين نارين وتتشتت جهودها بين الجانبين تماما كما يحدث للفريسة حين تقع بين يدي قطيع من الذئاب . ولم يكن دوينتز يكتفي بكل ذلك ، بل كان بعد نجاح الهجوم وتشتت البواخر الباقية هاربة في كل اتجاه يطلق لقادة الغواصات الحرية في مطاردة البواخر الهاربة , وذلك بإشارته المعروفة (اختر فريستك) والوقائع تقول انه قلما نجت قافلة وقعت بين يدي قطيع الذئاب من التدمير الشامل . وكان من أمثلة هذا الهجوم النموذجي ما وقع ليلة 8-9 اكتوبر سنة 1940 , تلك الليلة التي أطلق  الحلفاء عليها : ليلة المدى الطويلة night of long knives)) لفظاعة ما عانوه فيها من طعنات الطوربيدات الألمانية . ففي صباح يوم 8 أكتوبر شاهدت احدي الغواصات القافلة   sc7المتجهة من ميناء هاليفاكس (بكندا) إلي انجلترا وسارع دوينتز فحشد سبع غواصات في طريق القافلة . وما كادت القافلة تصل إلي حيث كانت تحتشد الغواصات السبع في ليلة 8-   9أكتوبر, حتى راح دوينتز يطلق الغواصات واحدة فواحدة وأثنين اثنين, مهاجما القافلة آناً من اليمين , وآنا من اليسار , وتارة من الامام , وأخري من الخلف . ومع كل طوربيد منطلق كان الانفجار يدوي والفريسة تميل علي جانبها , ثم تغوص تحت الماء، وقد تنفجر حمولتها إذا كانت بترولا أو ذخيرة , فتضئ عندئذ ميدان المعركة  لباقي الغواصات فتطلق تلك طوربيداتها التي تضئ انفجاراتها جوانب الميدان أكثر فأكثر . وعلي ضوء تلك الألعاب النارية الخطرة , قاتل قادة الغواصات المسماة : برين, وشيبك , وكريتشمر , وفرونهايم , واندراس , وبليخروت و وموهل , وليب – (القوة الحارسة والبواخر التجارية- والتى كانت مسلحة كلها) قتالا بارعا مريرا  حتى طلع فجر يوم 9 أكتوبر علي قوارب النجاة المشتتة من 20 باخرة غارقة يتجاوز وزن حمولاتها 325,000 طن من الأسلحة والذخيرة والوقود والتموين  هذا غير البواخر التي تصيدتها الغواصات في مرحلة المطاردة. وفي صباح 19 أكتوبر شوهدت القافلة HX 79 المتجهة من نيويورك إلي انجلترا , فحشد لها دونينتز خمس غواصات تمكنت من إغراق 12 باخرة في خلال ليلة 19-20أكتوبر . ومن بعد ذلك  توالت طعنات أسطول الغواصات قاتلة , مرة المذاق  علي أساطيل الحلفاء حتى نهاية الحرب . وفي عرف كل مؤرخ منصف أن أسطول الغواصات كاد يكسب الحرب وحده لولا  أن هتلر كن كما قال هو عن نفسه ( بطل علي الأرض جبان في البحر !) فلم يخصص لهذا الأسطول جهداً يعوضه به عن خسائره , أو يدعمه به , إلي الحد الذي كان يجعله يغلق علي الحلفاء منافذ البحر كلها , وعندئذ ما كان غزو الحلفاء لشمال أفريقيا  ولا غزوهم ايطاليا , ولا غزو أوروبا , بممكن !





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.