Sunday, 16/12/2018 | 5:02 UTC+3
صحيفة أصداف

من تاريخ الجاليات الأجنبية فى بورتسودان – الجالية اليونانية (1)

بقلم : هاشم بابكر أحمد
———–

جاليات كثيرة وكبيرة جاءت الى السودان واستقرت وتعايشت وصارت جزءاً من النسيج الإجتماعى للسودانيين وأسهمت فى الحياة العامة بكل مناحيها وتميزت بالهدوء والتعامل الراقى ونأت عن المشاكل وكل ما يعكر صفو العلائق الطيبة التى نشأت بينهاووبين الآخرين .. وهذه الجاليات وإن عاشت حالة نسبية من الإنغلاق على بعضها وأصبحت لها أنديتها الخاصة ومدارسها ونشاطها الخاص وقامت هنا وهناك جمعياتهم وهيئاتهم ودور تعليمهم فقد تسودن الكثيرين منهم جنسية وكلاما واختلطوا  اختلاطاً وثيقاً بالسودانيين  وتعلموا لهجاتهم وعاداتهم وتزوج البعض منهم بسودانيات وما زال البعض الآخر الآخر يعيش جذوره وجنسيته ولغته الأصلية .

ومن الجاليات المرموقة ببورتسودان نجد الجالية اليونانية التى يرجع تاريخ دخولها الى البلاد عن طريق ميناء سواكن فى عام 1860م ، وكانت سواكن العامرة  آنذاك زينة موانئ البحر الأحمر فقدم اليها ابناء الإغريق وسكنوها وتاجروا فى الخزف والصابون والمحاصيل وجابوا ربوع السودان مع قوافل التجارة الى كسلا وبربر وأمدرمان والدلنج والأبيّض وغيرها ..وعندما تقرر إنشاء ميناء بديل لسواكن بواسطة المستعمر الإنجليزى فى بدايات القرن العشرين وقامت بورتسودان تم ترحيل أهالى سواكن إلى الميناء الجديد ومن ضمنهم الجالية الإغريقية التى تمركزت فى الحى الإغريقى – ومعظم مبانيه من أملاك آل البربرى وغيرهم – ومارسوا جميع أنشطتهم السابقة فى سواكن وامتلكوا وأداروا المحال التجارية والقهاوى والبارات والتحق البعض منهم بالخدمة المدنية فى مصلحة البريد والبرق واعمال الشحن والتفريغ للبواخر وشركات الملاحة والتخليص الجمركى ، وتميزت منهم بعض الأسر على المستوى الإجتماعى  مثل (أولاد على كيفك) وهو إسم مطعم كان مشهوراً  بالسوق الكبير – وهو أول مطعم فى بورتسودان عمل بنظام (التيك أوى والسندوتشات)  – والمطعم كان ملكاً لعائلة  العم لامبروس وأولاده (نيكولا ، باولو ، أندريه) وعُرف الإخوة الثلاثة بإجتماعياتهم الواسعة وحبهم لكرة القدم حيث عمل باولو بنادى الإتحاد – وكان يمتهن فرز الأقطان (فرّيز)  – وأندريه بنادى الشبيبة هذا بالاضافة لنشاطهم (بالساحة الشعبية) بفريقى الشباب والهدف .. وعلى صعيد الأسر الاغريقية الأخرى وأفرادها فقد لعب (جورج) حارساً ممتازاً للمرمى بفريق الشبيبة ،ولعب (بنيوتى) لحى العرب فى الخمسينيات .

ومن منا لا يذكر فندق أولمبيا بارك الشهير الواقع فى الركن الغربى الشمالى لمبنى بلدية بورتسودان – وكانت تمتلكه إمرأة  أغريقية إسمها (تريزيا)  ولها فنادق مماثلة فى اثينا والخرطوم فى شكل (نُزل) ومرافق ترفيه ومطاعم تقدم أفخر الطعام ..وبعد أن صفّت السيدة تريزيا أعمالها ببورتسودان  وغادرت الى اليونان أهدت المبنى بما فيه  وإدارة المطعم لشخص سودانى مسيحى من ابناء جبال النوبة  اسمه جمعة كان ساعدها الأيمن بكل الأمانة والإخلاص حيث قام جمعة بدوره ببيع الفندق وانتقل للخرطوم ثم  ما لبث أن أشهر اسلامه هناك  وتوفى بها رحمه الله  ..وفى الطابق الأرضى منه كان يقع (بار نمبر ون) فى شكل حانة تقليدية لتقديم المشروبات الروحية يديرها  الخواجة الإغريقى  الشهير (ينىّ) – التخين أبو كرش –  الذى كان مشهورا ومعروفاً على مستوى السودان ، وغادر (ينى) المدينة الى الخرطوم بعد إعلان أحكام الشريعة الإسلامية فى سبتمبر 1983م وهناك عمل طباخاً بكافتيريا وبعدها اشهر إسلامه ومات مسلما يصلى على كرسى كما شهد بذلك بعض أولاد بورتسودان الذين اقنعوه باعتناق الدين الإسلامى وتلك كانت نهاية اسطورة (سكرة ينى القفّلت البارات) كما تقول الأهزوجة المعروفة .

وفى مجال التوكيلات التجارية و الملاحية العالمية اشتهرت شركة (كونتوميخالوس وأولاده وشركاهم – سودان  ) و جرى تكريم المؤسس كونتوميخالوس  لإسهاماته فى الإقتصاد السودانى بمنحه الرئاسة الشرفية  لغرفة السودان التجارية ،  ومن مديرو  شركته الناجحة من السودانيين الممتازين فى مجال النقل البحرى بمدينة بورتسودان  السيد/ على الريح  رئيس نادى مريخ الثغر الأسبق طيب الله ثراه .
بعد استقلال السودان فى عام 1956م وما أعقبه من حكومات وطنية وتقلبات سياسية وتراجُع الموقف الاقتصادى العام وضبابية المستقبل بالنسبة لهم بدأ أغاريق بورتسودان مشوار الهجرة الى الخارج ، منهم من عاد إلى أثينا وسالونيكا موطنهم الأم ومنهم من هاجر إلى أمريكا وكندا وجنوب افريقيا واستراليا وانجلترا وغيرها – الله يطراهم بالخير .

                 لوحة للكنيسة الأغريقية ببورسودان رسمت فى الثلاثينات

وحالياً لم يتبق من أغاريق بورتسودان إلا العم (نيكولا لامبروس) فقط  ويسكن حى المطار مع اسرته وأولاده  .. وبقيت (كنيسة الأغاريق) فى قلب المدينة مهجورة من المصلين لأنها تتبع لطائفة الكنيسة الشرقية فى أثينا التى لم يبق منها مصلّين أو مرتادين لهذه الكنيسة العريقة التى بقي مبناها  حتى الآن رمزاً للتسامح الدينى الذى نعِم به أتباع الديانات المختلفة كلها وسط أخوانهم المسلمين ببورتسودان بدون أى قهر أو  تضييق عليهم أياً كان .

 





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.