Monday, 17/12/2018 | 9:38 UTC+3
صحيفة أصداف

هل غنت أم كلثوم لشاعرنا حسين بازرعة ؟

              هاشم بابكر

إكتسبت سيدة الغناء العربى وكوكب الشرق السيدة أم كلثوم (1898-1975)  ألقابها من كونها أهتمت بالتغنى  للشعراء العرب  وللجمهور العربى فى كل مكان ، تألقت تألقاً باهراً بفنها وأدائها ولم تقتصر على الشعراء المصريين وحدهم ، فتغنت للشاعر اللبنانى جورج جرداق والسورى نزار قبانى والسودانى الهادى آدم والسعودى الامير عبد الله الفيصل  بجانب أشعار أبناء جلدتها أمثال أحمد رامى ومرسى جميل عزيز وأحمد شوقى وبيرم التونسى وعبد الوهاب محمد وغيرهم ..ولقد حياها  الشاعر الزهاوى بقصيدة يقول فى مطلعها:
الفن روض أنيق غير مسؤوم .. وأنتِ بلبلهُ يا أم كلثوم .
أحيت أم كلثوم ليلاتها الغنائية على مسارح مصر والعراق والسودان وفرنسا  والمغرب وغيرها ، ومما يحلو ذكره أنها أبدعت فى غناء (هذه ليلتى) بالسودان وغنت (الأطلال) لأبراهيم ناجى على مسرح باريس كما لم تغنها من قبل ،فكان عشاق فنها عندما يتقدمون للحصول على أسطواناتها من محلات بيعها يقولون للبائع :أعطنى هذه ليلتى تسجيل الخرطوم والاطلال تسجيل باريس .
وقال الصحافى المصرى الكبير مصطفى أمين : إن أم كلثوم استطاعت أن تجعل شعر شوقى على لسان فلاحة تمشى وراء بقرة فى الصعيد . وحين وفاتها سيطر الوجوم على العرب, كانوا يعرفون أنهم فقدوا آخر رابط حقيقي بينهم, لقد فقدت مصر هرمها الرابع, وفقد العالم العربي كوكبه المشرق لقد ماتت أم كلثوم. وقد تم تشيع جنازتها فكانت جنازة مهيبة جداً وتعد من أعظم 8 جنازة في العالم إذ بلغ عدد المشيعين أكثر من 4 مليون شخص .
ولكن هناك حقيقة مسكوت عنها رأيت أن أدلى فيها بدلو – ولو قرأ عمودى هذا شاعرنا حسين بازرعة فلربما ( زعل منى ) ومحور الموضوع أن السيدة أم كلثوم غنت للامير عبدالله الفيصل اغنية جميلة عنوانها (ثورة الشك) بينما الحقيقة كاتب الأغنية هو شاعرنا الفذ حسين بازرعة والذى ربطته منذ منتصف الستينيات من القرن الماضى صلة ود وعمل مع الامير الفيصل الذى احتضنه وعيّنه فى شركته الملاحية بجدة ولازمه بازرعه لسنين طويلة حتى وفاته فى مايو من عام 2007م رحمه الله .
والواضح  أن الفيصل كان شاعراً شهيراً بجانب مركزه المرموق فقد أراد بازرعة أن ينسب اليه القصيده باعتبار انه – أى بازرعة يعد مغموراً ولا يعرفه أحد وقد يكون من الصعب أن تغنى أم كلثوم لشاعر لا يعرفه أحد مهما كانت جودة القصيدة – ولكنها كسرت هذه القاعدة عندما غنت لشاعرنا السودانى الهادى آدم (أغداً ألقاك) ونجحت الاغنية نجاحاً منقطع النظير .
 المهم أن  أم كلثوم غنت (ثورة الشك)  وسُجلت باسم الفيصل على هذا النحو . ولكن الغريب أن هناك شاعراً مصرياً  اسمه أحمد مخيمر ربما يكون قد أدرك القصة على نحو ما فتقدم مدعياً إمتلاكه للقصيدة وأقام ضجة كبيرة فى وسائل الإعلام ، ولكن حسين بازرعة – بكل تواضع السودانيين وزهدهم – آثر الصمت المطبق حفاظاً على العشرة الطويلة والود الذى بينه وبين الأمير وقد لا يجرؤ أحد على مفاتحته فى هذا الأمر  .ولو أمعنتم التفكر فى كلمات الأغنية لوجدتم فيها (نفَس) بازرعة وخلجاته وبعض من رحيقه العذب :
أكاد أشكُّ في نفسي لأني .. أكادُ أشكُّ فيكَ وأنتَ منّي
يقولُ الناسُ إنّك خنتَ عهدي ولم تحفظْ هوايَ ولم تصنّي
 وأنتَ مُناي .. أجمعها مشتْ بي إليكَ خُطى الشّبابِ المُطمئنِّ
 يُكذِّبُ فيك كلَّ الناسِ قلبي .. وتسمعُ فيك كلَّ الناسِ أُذني
وكمْ طافتْ عليَّ ظلالُ شكٍّ .. أقضّت مضجعي واستعبدتني
 كأنّي طافَ بي رَكبُ الليالي .. يُحدِّثُ عنك في الدنيا وعنّي
على أني أُغالطُ فيك سمعي .. وتُبصر فيك غيرَ الشكِّ عيني
 وما أنا بالمُصدِّق فيك قولاً .. ولكنّي شُقيتُ بحُسنِ ظنّي
 و بي ممّا يُساوِرُني كثيرٌ .. من الشَّجنِ المؤرّقِ لا تدعني
تُعذَّبُ في لهيبِ الشكِّ روحي .. وتَشقى بالظنونِ وبالتمنّي
أجبني إذ سألتُك هل صحيحٌ .. حديثُ الناسِ خُنتَ ألمْ تَخنـّي؟
أكادُ أشكُّ في نفسي لأنّي..  أكادُ أشكُّ فيك وأنتَ مني
 يقولُ الناسُ إنك خنت عهدي .. و لم تحفظْ هواي ولم تَصُنّي
 وأنت مُنايَ .. أَجمعُها مَشتْ بي إليك خُطى الشّبابِ المُطمئنّ.
وقد  يعجب القراء إذا ذكرت لهم بأن الامير الفيصل – الذى قدم لحليم اغنيته الجميلة (يا مالكاً قلبى) له  أيضاً قصيدة غناها عبد الحليم حافظ من ألحان الموسيقار المصرى كمال الطويل عنوانها (سمراء) هى أيضاً من كلمات حسين بازرعة .. تقول كلماتها :
سمراء يا حلم الطفولة .. يا منية النفس العليلة

كيف الوصول إلى حماك .. وليس لي فى الأمر حيلة
وسيلتي قلب به مثواك .. وإن عزت وسيلة
فلترحمي خفقانه لك .. واسمعي ترتيله
قلب رعاك وما ارتضى .. فى حبه أبدا بديله
أسعدته زمنا وروى .. وصلك الشافي غليله
فى ليلة نسج الغرام .. طيوفها بيد نحيله
فلترحمي خفقانه لك .. واسمعي ترتيله
سمراء يا أمل الفؤاد .. وحلمه منذ الطفولة
المهم يبقى الفن والإبداع والشخوص زائلة  ورحم الله الحى والميت ، ولكن إحقاقاً للحق  وسعياً للانصاف رأيت أن أدلى بهذه الإفادة التى علمتها  من مصدر موثوق للحقيقة والتاريخ .





تابعنا علي

كلمة رئيس التحرير

كشفافية عين وليدٍ لم ترصد أي شيء بعد، نرقب المستقبل في هذا العام الجديد، وكأن لا سابق معرفي لدينا.. ولكن هل حقا مستقبلنا غير متوقع؟! في نظرة أولية -تناسب عدد الأوائل الذي بين يديك- للمنجز الإنساني الذي توصل إليه البشر عبر حضارات متباينة البيئات والأزمنة، نجد أننا نقف على أعتاب مستقبل لا يقل إبهارا أو غموضا عما حققه الإنسان في عصور سابقة، عندما رسم على جدران كهفه ما كان يجول في خاطره، وعندما قرر أن يحلق خارج الأرض ليكتشف العدم، وعندما سعى للغوص في بدايات دماغه الأولى.